Articles

تصريحات تراوري والتعليم العربي والإسلامي: بين الحاجة إلى الإصلاح وخطر التعميم

بقلم/ باسيديا درامي

أثارت التصريحات التي أدلى بها الرئيس البوركيني الشاب إبراهيم تراوري موجة واسعة من الجدل، لا سيما في أوساط الدارسين والمثقفين باللغة العربية في إفريقيا. ففي 16 يونيو 2026، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو انتقد فيه تراوري ما وصفه باستعباد الأفارقة على يد العرب، كما انتقد غياب المسارات المهنية والعلمية في نظام التعليم العربي والإسلامي في بلاده، مشيرا إلى وجود أكثر من 800 طالب يدرسون الشريعة في الدول العربية، ومعلنا عزمه على إعادتهم إلى بوركينا فاسو.

وقد تُفهم هذه التصريحات في سياق التحديات الأمنية التي تواجهها بوركينا فاسو ودول الساحل، حيث تعاني المنطقة منذ سنوات من تصاعد أعمال العنف والتطرف. غير أن ربط هذه الظاهرة بالتعليم العربي والإسلامي أو بخريجي الجامعات العربية على وجه العموم يفتقر إلى الدقة. فلا يوجد ما يثبت أن الدارسين أو المثقفين الذين تلقوا تعليمهم في الدول العربية متورطون في هذه الأنشطة الإجرامية، كما أن تعميم الأحكام على جميع خريجي الجامعات العربية يُعد خطأً منهجيا.

ثم إن الافتراض بأن جميع المبتعثين إلى الدول العربية يدرسون الشريعة غير صحيح. فقد درستُ شخصيًا في دولة الكويت مع عدد من الطلبة البوركينيين، وكان معظمهم يدرسون في تخصصات علمية، إذ كانت الكويت تتيح للطلبة الاختيار بين المسارات الشرعية والأدبية والعلمية.

ولا شك أن تنويع التخصصات الأكاديمية، بما يشمل العلوم التطبيقية والهندسية والمهنية، ضرورة تفرضها متطلبات التنمية الحديثة وسوق العمل. لكن التقليل من قيمة التعليم الشرعي أو تصويره على أنه تعليم عديم الجدوى يثير القلق. فمنذ صدور تصريحات تراوري، اندفع بعض من يحملون مواقف سلبية مسبقة تجاه التعليم العربي والإسلامي إلى مهاجمة التعليم الشرعي برمته، وانضم إليهم آخرون يفتقرون إلى معرفة حقيقية بطبيعة هذا التخصص ودوره.

فالمتخصصون في الشريعة لا تقل أهميتهم عن غيرهم من أصحاب التخصصات الأخرى، إذ يضطلعون بأدوار محورية في مجالات التعليم، والدعوة، والإرشاد، والقضاء، وإمامة المساجد، والإصلاح الاجتماعي. كما أسهموا في ترسيخ الوعي الديني الصحيح، ومحاربة كثير من الممارسات الخاطئة والخرافات التي كانت منتشرة في بعض المجتمعات نتيجة ضعف التعليم الديني المنهجي.

وفي غامبيا، على سبيل المثال، لعب خريجو الجامعات العربية والإسلامية دورًا بارزًا في نشر التعليم الإسلامي وعلوم الشريعة من خلال المدارس والمعاهد التي أسسوها، وأسهموا في غرس القيم والأخلاق الإسلامية في نفوس الأجيال، وذلك في ظل نظام تعليمي علماني ورثته البلاد عن الحقبة الاستعمارية. ومن ثم، فإن وصف التعليم الشرعي بأنه عديم الفائدة لا يعكس إلا فهمًا قاصرًا لطبيعة هذا التعليم ووظيفته في المجتمع.

وفي المقابل، فإن المدافعين عن التعليم العربي والإسلامي مطالبون بتناول هذا الموضوع بروح علمية وموضوعية، بعيدا عن الانفعال والعاطفة. فبدلًا من اللجوء إلى التخوين أو التكفير، كما فعل بعضهم بحق الرئيس تراوري، ينبغي أن يكون الرد قائما على الحجة والبرهان، وبالحكمة والموعظة الحسنة. فمثل هذه الردود المتشنجة لا تخدم القضية، بل قد تمنح المنتقدين ذريعة لاتهام هذه الشريحة بالتعصب والانغلاق ورفض النقد، وهو ما يضر بصورة التعليم الشرعي أكثر مما ينفعه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى