د.عمر علي عيسى نيانغ
مع اتساع مجموعة بريكس وتزايد وزنها الاقتصادي والسياسي، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حجمها وعدد أعضائها: هل تستطيع هذه المجموعة أن تتحول إلى قوة مؤثرة في إعادة تشكيل النظام الدولي، رغم التباينات الاستراتيجية والسياسية بين دولها؟
تضم بريكس قوى كبرى ذات مصالح ورؤى مختلفة. فالهند، على سبيل المثال، عضو أساسي في المجموعة، وفي الوقت نفسه ترتبط بشراكة استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة، بينما تربط روسيا والصين علاقات استراتيجية وثيقة. وفي المقابل، تشهد العلاقات الهندية–الصينية منافسة جيوسياسية واقتصادية، بما يجعل بناء رؤية موحدة داخل بريكس تحدياً حقيقياً.
ولا تقتصر هذه التعقيدات على الدول الأعضاء، بل تمتد إلى محيطها الإقليمي. فباكستان، رغم أنها ليست عضواً في بريكس، تمثل مثالاً على البيئة الجيوسياسية المعقدة المحيطة بالهند، بحكم الجوار والتاريخ الطويل من التوتر بين البلدين، فضلاً عن علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع الصين.
وفي أفريقيا والشرق الأوسط، تظهر بدورها ملفات حساسة. فوجود مصر وإثيوبيا داخل بريكس يأتي في ظل خلافات مرتبطة بملف سد النهضة ومياه النيل، بينما تضم المجموعة أيضاً قوى إقليمية ذات مصالح ورؤى متباينة، مثل السعودية والإمارات وإيران.
لكن هل تعني هذه التناقضات أن بريكس تفتقر إلى مقومات النجاح؟ ليس بالضرورة.
فبريكس ليست تحالفاً عسكرياً ولا كتلة سياسية متجانسة، وإنما هي إطار للتنسيق والتعاون بين دول تختلف في أنظمتها السياسية ومصالحها واستراتيجياتها. وربما تكمن إحدى نقاط قوتها في هذا التنوع تحديداً؛ إذ إنها تجمع دولاً لا تتفق بالضرورة على كل شيء، لكنها تلتقي حول مجموعة من المصالح المشتركة.
ومن هنا، فإن نجاح بريكس لن يتطلب إزالة الخلافات بين أعضائها، بل إدارتها بواقعية، ومنعها من تعطيل مجالات التعاون، خصوصاً في التجارة والاستثمار والطاقة والتمويل والتنمية والتكنولوجيا، وتعزيز حضور دول الجنوب العالمي في صياغة قواعد النظام الدولي.
غير أن التوسع يفرض معادلة دقيقة: كلما اتسعت بريكس، ازدادت قوتها الاقتصادية والجغرافية، وفي الوقت نفسه ازدادت صعوبة تحقيق التوافق السياسي والاستراتيجي.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لبريكس لن يكون في حجمها أو عدد أعضائها، وإنما في قدرتها على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والمصلحة الجماعية.
فإذا نجحت في تحويل اختلافاتها إلى مساحة للحوار والتوازن والتعاون، فقد تتحول تدريجياً إلى أحد الأعمدة الرئيسية لنظام دولي أكثر تعددية وتوازناً.
أما إذا طغت الحسابات الوطنية والصراعات الإقليمية على المصالح المشتركة، فقد تبقى بريكس إطاراً واسعاً للتنسيق، دون أن تتحول إلى قطب استراتيجي متماسك.
وفي النهاية، لا تكمن قوة بريكس في غياب التناقضات، وإنما في قدرتها على إدارتها؛ فنجاحها الحقيقي لن يكون في توحيد الدول الأعضاء، بل في إثبات أن الاختلاف يمكن أن يكون أساساً للتعاون، وأن التعددية يمكن أن تتحول من مصدر للتباين إلى مصدر للقوة.




