Culture

وقفة مع قصيدة ( بيان من أشلاء طفل )

بقلم الأستاذ إسماعيل ديم

كنت في قاعة المؤتمرات الدولية للرابطة بمكة المكرمة من بين الحاضرين في تلك الأمسية الشعرية التي كانت ختاما رائعا ومؤثرا لأعمال المؤتمر الإسلامي الرابع لرابطة العالم الإسلامي ، كنت أنا والأخوان الكريمان: الأستاذ إبراهيم محمود جوب “برهام” ، والأستاذ فاضل غِي ، وكلنا من السنغال في تلك القاعة التي كانت تغص بعشاق القريض من إخواننا السعوديين وغيرهم من ضيوف الرابطة من العرب و من غير العرب أصلا .
قلت : إن الأمسية الشعرية كانت ختاما رائعا ومؤثرا للمؤتمر ،ولكنها كانت بداية نهاية ،أو نهاية بداية ،عادت بنا إلى عمق القضية الفلسطينية المصيرية ،قضية فلسطين !
أو مأساة القدس والأقصى ، ذلك أن الشعراء الثلاثة: الدكتور عبد الرحمن العشماوي ، والأستاذ محمد الأسعد القاطرجي، ، والأستاذ الشاعر أحمد سالم با عطب ، حرّكوا المشاعر ، وأيقظوا الآلام التي لم تكن قط راقدة ، فكأنما صاغوا أفكار المؤتمر وعروض العلماء والمفكرينفي قالب فني بديع ، اهتزت له القاعة ، ووفّق الشعراء في إثراء هذا القالب وتزيينه بمضمون يمثل أكبر معاناتنا اليوم !
وبإلقاء نظرة خاصة إلى قصيدة عنونها الشاعر عبد الرحمن العشماوي ب ( بيان من أشلاء طفل ) نرى أن الشاعر العشماوي استطاع أن يصوّر لنا بريشته الفنية البارعة في قصيدته تلك مآسينا وهمومنا ،وآلامنا وأحزاننا ، ونجح في اختيار الكلمات والألفاظ المناسبة للتعبير عن أحاسيسه المرهفة ،حيث استعمل ألفاظا تنفذ في القلوب قبل أن تقرع الآذان وأحسن استعمالها ، فجعل همومنا ماثلة أمامنا في تلك الأمسية ،وهي هموم تقض مضجع كل مسلم اليوم ” القدس والأقصى ” وما يجري في فلسطين !
ولحيوية الموضوع جاء الأسلوب متدفقا رصينا ،فتجاوبت قاعة المؤتمر مع آهات شاعرنا المنبعثة من الأعماق ،إلى آهات الأمة كلها :
آه منّا آه يا شهر المحرم * آه من عملاقنا كيف تقزّم
آه من أحلامنا صارت سرابا * وصروح النضال باتت تهدّم
آه من ألف قتيل وقتيل * من عظام في ربى الأقصى تهشّم
آه من امتنا كيف استحالت * كفراش في لظى النار تفحّم
آه منها تمنح الأعداء شهدا * وهي لا تشرب إلاّ كأس علقم

ويحكم يا ألف مليون أترضى * أن ترى الأزهار للجاني تقدّم
إنها آهات قلب جريح ، بل آهات أمة بكاملها.

إن قصيدة ” بيان من أشلاء طفل ” ثورة عارمة على وضع الأمة الحالي ، ثورة في شكل قصيدة ومضمونها ، فكل كلمة في هذه القصيدة قذيفة يرسلها الشاعر لتحطيم هذا الواقع المخزي.

والقصيدة بوحدتها العضوية نقد لاذع ، لكنه بنّاء، فهو نقد للذات لا بد منه إن أردنا أن نبني غدا أفضل ..ولم لا ؟ وقد تحولت أمتنا إلى ” عملاق تقزّم “و “مروءات تهدّم ” و ” نار تضرم ” و ” أمة تجرع ” كأس علقم ”
كان الشاعر عبد الرحمن العشماوي مرآة صافية عكست معاناتها الشديدة وواقعها الأليم ” أمة خفض الرأس وغمغم..
أمة فقدت فقدت مجدها وأصبحت ” كفراش في لظى النار تفحّم ” .أمة قادها الزمان إلى أن تطلب العدل من الباغي عليها !
تطلب العدل من الباغي عليها *
وتنادي من إذا جاوب تمتم

إن قصيدة ” بيان من أشلاء طفل ” تصوير حزين لواقع أليم لا يقصد به الشاعر بث روح تشاؤمية ، وقتل كل أمل إلى غد أفضل ، وإنما يقصد بهذا التصوير الحزين استنهاض الأمة وشحذ العزائم ..
إن صيغة ( تفعّل ) لم تأت اعتباطا ، وإنما هي صيغة ملائمة لهول الموقف وخطورة الحال !
هل الشاعر انتقاها واختارها اختيارا ؟
أم إنها جاءت طوعاً .. استجابة وانقيادا للمعنى الشعري ؟
على كل حال فليس هذا وذاك إلا سمة من سمات القدرة التعبيرية لدى شاعرنا الكبير دكتور عبد الرحمن الذي أدعو الله له ولزميليه محمد الأسعد وأحمد سالم با عطب الذين أتحفوا أسماعنا ودغدغوا قلوبنا في تلك الليلة البهيجة طول العمر ومزيدا من العطاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى