Articles

قراءة نقدية في خطاب الكابتن في ضوء العدالة والمساواة

بشير دوكوري

تشهد دول الساحل تحولات سياسية، من مواجهة القوى الإمبريالية الاستعمارية إلى بناء تكتلات اقتصادية وثقافية وسياسية، بهدف الدفاع المشترك، واستعادة السيطرة والهيمنة على جميع المجالات والقطاعات، وتأهيل المؤسسات الحكومية والقواعد المركزية بما يتوافق مع التطورات المتسارعة، والسيادة التكنولوجية، والعولمة المعلوماتية.
وفي سياق ذلك، قامت هذه الدول بتطوير الأجهزة الأمنية عن طريق اقتناء المعدات العسكرية الفائقة، والطائرات ذات القدرات الدفاعية والهجومية، إلى جانب الاهتمام بغرس قيم الثقافة الأفريقية والوطنية، مما أبرز خطابات ثورية فكرية من رؤساء دول الساحل.
وفيما يتعلق بذلك، أدلى الكابتن إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، بتصريح ينتقد القوى السابقة في المنطقة الأفريقية، حتى وجّه النقد إلى فئة محددة من دارسي العلوم الإسلامية في إحدى الدول العربية، فأثار التصريح تساؤلات كثيرة: هل الكابتن يريد حلّ مشكلة موضوعية؟ أم يريد أن ينال فئة محددة في قناع التبريرات؟
وفيما يخص الحكم على التعاليم النظرية من خلال معيار جدوى التخصصات المهنية، فإنه لا يستند إلى أدلة منطقية وبرهنة واضحة، حيث تمارس الدول المتطورة التعليم ذا البُعدين: البعد النظري، والبعد التطبيقي، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وفرنسا، وألمانيا، بهدف تحقيق منظومة تعليمية متكاملة.
وعلى ذلك، تتقدم الدول الأفريقية التي كانت تقاسي الهيمنة الاستعمارية، مثل المغرب والجزائر، فهي تسير على منظومة تعليمية تقدم العلوم النظرية نصيبها، والعلوم التطبيقية نصيبها، بالرغم من مساهمتهما في قطاعات حيوية استثمارية، في الاتصالات، والنفط، والغاز، في غرب أفريقيا.
فتوجيه التعليم لا يتم من خلال قرارات قسرية، ولا محاولات للمنع، بل يكون في مضمار أجهزة التشجيع، والدعم، والتحفيز للمسارات التي تعاني الدولة العجز فيها، إذ إن الرغبة إذا تناسبت مع الهدف، تحقق الإنجاز والإبداع، ويحصل التكامل بين مصلحة الأفراد والحكومة، في تنمية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، ومسؤولية مشتركة.
ويُفهم من خطاب الكابتن إبراهيم تراوري أنه يميل إلى التمييز، وذلك للأمرين الآتيين:
توجيه النقد إلى فئة محددة من الطلاب في الخطاب، بدون بيان كافٍ لتخصيصها، ولا سبب منطقي، ولا تبريرات مقنعة.
جعل معيار الحكم على إنكار التعليم الإسلامي العربي بسبب غياب دارس مهني في دولة عربية، بعد اطلاعه على قائمة دارسين بوركينابيين، والذين يبلغ عددهم 800 طالب في التخصصات المختلفة: الشريعة، والقضاء الإسلامي.
تفضيل العلوم التطبيقية على العلوم النظرية، دون الأساس الموضوعي لهذا التفضيل.
يتضح مقصود الكابتن في توجيه النقد إلى فئة دارسي العربية في دولة عربية، نتيجة دراسات نظرية دون المهنية، لأنه جعل التخصصات المهنية معيارًا رئيسيًا في تقييم جدوى التخصصات النظرية.
ونقول للكابتن: إن الدراسة النظرية ظاهرة عالمية، وحقيقة تنموية، ولا يمكن أن يُجرَّد التعليم من السلك النظري، فتحتل الولايات المتحدة، والصين، وألمانيا، وفرنسا، وبولندا، أرقامًا قياسية مرتفعة في الدراسات النظرية، مع تطورها وتقدمها على بوركينا فاسو في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
كما يؤكد السياق أن غياب دور العلوم الإنسانية في هذا الخطاب زرع آلافًا من التوجهات الفكرية، في ظرف يحتاج فيه الشعب البوركينابي والحكومة إلى التقارب والتكاتف، من أجل احتواء الانقسامات والانفصالات في صفوف المتمردين والإرهابيين، فإن الحوار المتوازن يغلب على الاختلافات المحتملة والواقعية، لأن معظم الحروب الأهلية والإقليمية والدولية قد انحلّت نهائيًا على الطاولة، مما يبرز أن العلوم النظرية تلعب أدوارًا عسكرية في ضمان الحل السلمي، وتسوية النزاعات.
التجارب الدولية
وحسب تقارير مؤسسات التعليم العالي الأمريكية عن نسبة خريجي البكالوريوس في عام 2020–2021، بلغت نسبة خريجي العلوم الإنسانية 12.5%، وعلم النفس 6.4%، والعلوم الاجتماعية والتاريخ 7.5%، والعلوم الطبيعية والرياضيات 9.2%، وعلم الحاسوب 5.4%، والهندسة 7%، والتعليم 4.4%، والأعمال 18.6%، والمهن والبرامج الصحية ذات الصلة 13.1%، والعلوم الأخرى 15.8%.
فإن مجموع العلوم النظرية في التعليم العالي الأمريكي يبلغ 49.4%، مما يدل على أن التطور الأمريكي لم يهمل العلوم الإنسانية، ولم يجعل العلوم التطبيقية على حساب العلوم النظرية، لأن المنظومة التعليمية الجيدة هي التي تحقق الموازنة بين النظرية والتطبيقية، بالرغم من اعتباره أكبر قوة اقتصادية في العالم.
وأظهرت بيانات موقع الصين النظرية أن عدد الحاصلين على شهادات البكالوريوس في الصين عام 2024 وما فوقها، في العلوم والهندسة والزراعة والطب، يبلغ 50.7%، مما يدل على أن النصف الآخر يتوزع في العلوم النظرية. كما أن المؤسسات الأكاديمية الصينية تولي اهتمامًا للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ويظهر ذلك في وجود مكاتب متخصصة للتخطيط في مجالات الفلسفة واللغة، إضافة إلى أن معايير التصنيف الأكاديمي من معهد التعليم العالي التابع لجامعة شانغهاي جياو تونغ تراعي الإنتاج البحثي بالتوازن للمقالات المنشورة، فيما يبلغ 20% في العلوم الطبيعية، و20% في العلوم الاجتماعية والفنون والإنسانية (موقع المعرفة).
تعدّ الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية، وأول مورّد رئيسي لبوركينا فاسو، وتسعى في سياساتها التعليمية إلى منظومة تعليمية متكاملة بين العلوم النظرية والتطبيقية، دون استبعاد أحدها.
التجربة الأوروبية
وكما أن أكبر ثلاث تخصصات خرّجت أكبر عدد من الطلاب على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن:
إدارة الأعمال والإدارة والقانون شكّل خريجوها 24.0% من إجمالي الخريجين.
الهندسة والتصنيع والبناء شكّل خريجوها 13.8%.
الصحة والرعاية الاجتماعية شكّل خريجوها 12.3% (الرفيق، 2023).
إن الاتحاد الأوروبي يمثل قدوة للدول الأفريقية في التقدم والنهضة والتطور، فإن معظم الانتقادات تكون مبنية على المقارنة بين الدول الأفريقية ومستعمرها الأوروبي، فإن النسبة الأعلى للخريجين هي في تخصصات العلوم النظرية على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ويتضح أن الاهتمام بالعلوم النظرية، في منظومة تعليمية متوازنة، لا يتعارض مع النمو الاقتصادي والتطور. ولذلك سجلت ألمانيا، أكبر قوة اقتصادية أوروبية، في عام 2020، أعلى نسبة من خريجي العلوم النظرية (الرفيق، 2023):
إدارة الأعمال والقانون: 105,053 خريجًا (أكبر تخصص).
الهندسة والتصنيع والبناء: 94,747 خريجًا.
التربية: 40,850 خريجًا.
العلوم الاجتماعية، والصحافة، والإعلام: 23,807 خريجين.
الآداب والعلوم الإنسانية: 22,664 خريجًا.
حسب مقولة الكابتن، قدّم الخطاب العلوم التطبيقية بوصفها معيارًا رئيسيًا لتقييم جدوى التخصصات الأخرى. ومع إحصاءات الخريجين في ألمانيا، إذا تم الجمع بين إدارة الأعمال والقانون، والتربية، والعلوم الاجتماعية، والآداب، والعلوم الإنسانية، مقابل الهندسة والتصنيع والبناء، فإنها أضعاف الحاصلين على الشهادات في الهندسة والتصنيع والبناء.
أما فرنسا، التي تعد مستعمرة رئيسية لبوركينا فاسو، وخامس مورّد لها، فلم تهمل العلوم النظرية، فسجلت أكبر عدد من الحاصلين على الشهادات في العلوم النظرية عام 2020 (الرفيق، 2023):
إدارة الأعمال والإدارة والقانون: 69,100 خريج.
الصحة والرفاه: 43,271 خريجًا.
التربية: 39,566 خريجًا.
الهندسة والتصنيع والبناء: 31,724 خريجًا.
وباستثناء الصحة والهندسة والتصنيع والبناء، فإن العلوم النظرية المتبقية شكّلت عددًا هائلًا من الخريجين.
فهذه الدول، التي قدمت معلومات عن عدد الخريجين فيها، لا تتيح تبريرًا بأنها مجموعة دول لا تنتمي إلى القارة الأفريقية. فحاول الكاتب أن ينقد فكرة الكابتن التي ربطت بين التخلف وتقييم العلوم النظرية في ضوء جدوى التخصصات المهنية. فتلك دول تطورت، وسجلت رقمًا قياسيًا في التصنيف الأكاديمي العالمي، وتطورًا تكنولوجيًا وصناعيًا، وإلى الآن ما زالت تسعى إلى منظومة تعليمية متكاملة تلبي احتياجات الدولة من الكفاءات المتنوعة، مع ما لبعضها من أدوار مهمة في التوريد لبوركينا فاسو، مثل الصين وفرنسا.
التجربة المغربية الجزائرية
ومن ضمن المستعمرات الفرنسية التي تقاسمت مع بوركينا فاسو آلام الاستعمار والثقافة الاستعمارية، وعانت معاناة شديدة، المغرب والجزائر، وهما ما زالتا تسجلان عددًا كبيرًا من الخريجين في العلوم النظرية.
وما ورد في صحيفة هسبريس المغربية عام 2025 أن: “50% يتابعون دراستهم في شعب الكليات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وتليها تخصصات الآداب والعلوم الإنسانية التي تستقطب 26%.” بينما يتوزع 12% في تخصصات العلوم.
فإن مجموع المتخصصين في العلوم النظرية يفوق، بشكل كبير، تخصصات العلوم، حيث يشكل 76% مقابل 12% في العلوم.
ورغم مكانة الاستثمار المغربي في بوركينا فاسو، في البنوك والاتصالات، يحقق النظام التعليمي المغربي منظومة متكاملة بين العلوم النظرية والتطبيقية.
وتشير تقارير وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، عام 2024/2025، إلى أن عدد المسجلين في ميدان العلوم والتكنولوجيا يبلغ 23.8%، بينما يبلغ عدد المسجلين في العلوم الإنسانية والاجتماعية 42.8%.
وتفوق عدد المسجلين في العلوم النظرية في الجزائر على العلوم، بالرغم من التحسن الاقتصادي السائد فيها. كما تستقبل الجزائر عددًا هائلًا من الطلبة الماليين والموريتانيين على منحها الخاصة، وعقدت شراكات استثمارية مع النيجر في مشاريع الغاز والنفط، فذلك دليل على أن العلوم النظرية ما زالت تؤتي أكلها في البلدان القادرة على الإدارة والموازنة.
الخطاب بين التعيين وحلّ المشكلة :
فإن سياق خطاب الكابتن لا يقدّم مدلولًا منطقيًا يستبعده عن توجيه النقد إلى فئة محددة، لأن المعيار الذي بنى عليه النقد هو مشكلة جذرية في المنظومة التعليمية، وهي (فقدان التخصص المهني) لمعظم الدارسين في بوركينا فاسو، على مساريهم: المسار الفرنسي، والمسار العربي. فلماذا يحدّد فئة محددة دون الأخرى؟ ما دامت المشكلة عامة، وترجع إلى البنية التعليمية، وبالتالي لم يُبنَ الخطاب على قرارات مدروسة وهدف لمشاركة الجميع في بناء الدولة.
وبشأن الإصلاح المؤسسي والحكومي، يتطلب قيام الدولة بالمسؤولية المتعلقة بالفئة المحددة، وعدم الهجوم عليها بمجرد اختيار رغباتهم في خدمة المصالح الاجتماعية، مع الحفاظ على القيود القانونية، وخاصة إذا كانت جماعة لم تقم الدولة بنفقات تعليمهم، ولا استجابت لجهودهم الفردية من التشجيع والتحفيز، حتى الوصول إلى المراحل العليا في الجامعات العربية، إلى جانب التزامهم بالمواطنة من خلال دفع الرسوم الإدارية، ودعم الحملات الانتخابية، بمضمون حقوق المواطنة، مع ما شاهدوه من الإقصاء والتهميش.
بينما المسار الفرنسي، الذي تكفلت الدولة بتمويله إلى المستويات العلمية المرموقة، لا تشير المؤشرات إلى أن مخرجاته كانت كافية لتحقيق التنمية المنشودة، رغم هيمنته على الدولة، بالإضافة إلى وجود عدد من هؤلاء الخريجين في تخريب الدولة، من الفساد، وزعزعة الاستقرار، واحتكار المناصب العامة لصالح العلاقات، وترك الكفاءات مهمشة ومنبوذة من مؤسسات صنع القرار.
فكان يُنتظر من الكابتن وضع حدّ للتهميش، فإذا أوجد شعورًا بالاستهداف لدى هذه الفئة، التي لم توظف حكوميًا، ولا ساهمت في صنع القرار، ولم تعترف الدولة بمؤهلاتهم التعليمية على نحو يمكنهم من الاندماج في الوظائف العامة (البكالوريا الحكومية العربية)، مثل السنغال ومالي، ولم تمول التعليم العربي الإسلامي لتلبية المصالح العامة في خدمة الترجمة، والدبلوماسية، والسفارات، لأن الإدارة الفعالة هي من تسعى إلى تحقيق منظومة تعليمية متكاملة، ومحاولة إدماج الجميع، بهدف إشباع احتياجات الدولة، وتحقيق الكفاءة الإدارية.
كما يقول غولد شتاين، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة بلاك روك لإدارة الأصول: “إن تنوع التفكير، وتنوع الأشخاص، وتنوع النظر إلى طرق مختلفة لحل المشكلات، هو ما يغذي الابتكار حقًا.” فإذا كان التنوع جيدًا في شركة معينة، فإن الدولة هي الأحوج إلى التنوع، وخاصة في العلاقات الدبلوماسية مع الدول المختلفة.
فإذا كان معيار تقييم المسارات التعليمية هو مساهمتها في التنمية الصناعية، فمن الواجب أن تخضع جميع المسارات التعليمية للمعايير نفسها، لا أن يقتصر ذلك على مسار واحد.
ويُفهم من الخطاب أنه ركز على فئة معينة، دون استبعاد بقية المسارات التعليمية من النقد نفسه، فإن الحاصلين على البكالوريا الحكومية في بوركينا فاسو، عام 2026، يبلغ عددهم 63,455 طالبًا، وقدرت نسبتهم بـ 61.54%، وعدد الطلاب في دولة عربية، على لسان الكابتن، 800 طالب، ويقدّرون بنسبة 1.26% بالنسبة إلى إجمالي الحاصلين على البكالوريا 61.54% في عام واحد.
فالنظام التعليمي البوركينابي، الذي يسعى إلى زرع التكامل بين الكفاءات المختلفة، لا تكون فيه فجوة على مستوى الكفاءة الإدارية بسبب بقاء 1.26% في الدراسة الإسلامية والعربية في الخارج، ما دامت هذه النسبة تمثل مجموع خريجي دفعات مختلفة، بينما الحاصلون على البكالوريا الحكومية يمثلون 61.54%. فإن استرجاع دارسي العربية لسد ثغرات مهنية لا يعد قرارًا مبنيًا على مفهوم التخطيط التعليمي والإداري، بالإضافة إلى 38.46% من غير الحاصلين على البكالوريا في عام 2026، وحتى هذه الجماعة قابلة للاستجابة للحاجات الوطنية المهنية، وخاصة الطاقة الشبابية الفائضة المنقطعة عن مساري التعليم الأكاديمي والمهني.
ويظهر إشكال واضح في خطاب الكابتن، حيث أنكر التعليم الإسلامي العربي في ضوء مخرجات التعليم المهني، وفي الوقت نفسه يقرّ بإعداد أئمة بوركينابيين في تدريس التعليم الإسلامي، مما يدل على أن الحاجة إلى التعليم الإسلامي العربي ما زالت قائمة، فتحتاج الدولة إلى توظيف كفاءة خريجي الجامعات العربية في احتياجات الدولة ورؤيتها التنموية، بدلًا من استرجاعهم ومنعهم من مواصلة الدراسة في الخارج.
إن خطاب الكابتن ركز على التعيين بدلًا من حلّ المشكلات، لوجود إشكاليات بين تحديد المشكلة والحل المقترح في الخطاب نفسه، إلى جانب وجود طاقات شبابية فائضة قابلة للاستجابة الوطنية لتعزيز الابتكار والاختراع. كما أنه خصص فئة معينة بمشكلة عمت جميع المسارات التعليمية.
الخطاب بين التنظيم والرفاهية الاجتماعية :
إن التنظيم من المهام الرئيسية للدولة، إذ هو الهدف الأساسي لوضع القانون وصياغة الدستور، لأن تنظيم العلاقات بين المواطنين أنفسهم، وبينهم وبين الحكومة، هو بداية حقيقية لتحقيق مؤشرات التنمية، حيث تحفظ الحقوق، وتؤدى الواجبات.
ويظهر في سياق خطاب الكابتن أنه ينال نوعًا من حرية الاعتقاد، التي تعتبر مبدأً أساسيًا في العلمانية، فإن دراسة العلوم الشرعية، ما دامت لا تهدد الأمن القومي ولا نظام الحكم، تعد جزءًا من حرية الاعتقاد. أما استرجاع الطلاب بسبب غياب دراسة مهنية، فإنه لا يكون بهذه الطريقة، ولا بسياقات فردية ورؤية لحظية، من غير استشارة للمجلس الأعلى الإسلامي، لأن تحقيق المصلحة المشتركة يتطلب رؤية جماعية، ودراسة استراتيجية.
وفيما يخص المقارنة بين قرار الكابتن والسعودية والكويت، فإنها لا تعتمد على المنطقية ومبدأ اختلاف القانون، فإن السعودية والكويت دولتان إسلاميتان بالدستور، بالإضافة إلى وجود هيئات رسمية، مثل هيئة كبار العلماء في السعودية، لإبداء الرأي فيما يحال إليها من أمور الشرع، وتقديم التوصيات للحكومة. وكما يقال: “لا تقارن بدايتك بنهاية الآخرين.”
فإن دستور بوركينا فاسو علماني، وهو يتكون في الأساس من مواد مستوردة من إملاءات المستعمر الفرنسي، مما يبرز التناقض بين العقيدة البوركينابية واعتماد الدستور العلماني. فمن المنطق أن يكون القانون ممثلًا للمثل العليا للشعب، ويحترم المعايير الاجتماعية. لذلك توجد بعض المواد التي لا تتوافق مع الحالات الاجتماعية والعلاقات بين الشعوب الوطنية الأفريقية، مثل: غياب تقدير الزعامة التقليدية، وتحديد تعدد الزوجات.
ويجب أن يكون القانون مصاغًا في سياق اجتماعي، وبيئي، وثقافي، أما استبعاده عن المجتمع فيخلق حالة من النفور والاضطراب. وكما يكون القانون مصاغًا من المعايير الاجتماعية للأغلبية الشعبية، فإن الدستور الفرنسي علماني، ولكنه اعترف رسميًا بعدة مناسبات بدعوى الإرث التاريخي، مثل عيد الميلاد، وعيد الفصح، وعيد الصعود. بينما القانون البوركينابي ما زال يحاول تطبيق المفاهيم المستوردة، وبالتالي فإن القانون الفرنسي يحاول احتواء التنافر الموجود لدى بعض فئات المجتمع، من خلال السماح للموظفين والطلاب بالغياب عن الشركات، والوظائف الحكومية، والمدارس، في مناسباتهم الدينية.
ويتضح هنا أن فعالية القانون تقاس بمدى خدمته للشعوب، وليست في الصرامة، والألفاظ الكبيرة، والمؤتمرات اليومية بشأن التوعية الشعبية بمضامين القانون.
وفيما يتعلق بفعالية القانون، تمنح الولايات المتحدة الأمريكية الولايات صلاحيات واسعة في صياغة القوانين المحلية بما يتوافق مع خصوصية كل ولاية، مما يجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات مجتمعاتها. وأرى أن القانون البوركينابي، رغم استقلال الدولة، لا يزال متأثرًا بالإرث القانوني الفرنسي، وهو ما أعتقد أنه لم يراعِ بما يكفي التنوع الاجتماعي، والقبلي، والثقافي في البلاد، الأمر الذي قد ينعكس على فعاليته في تنظيم بعض القضايا المحلية.
فإذا كان الكابتن يريد مشاركة الجميع في بناء الوطن، مما يوجب التنظيم، ودارسو العربية ما زالوا يتمتعون بحق حرية الاعتقاد، فيكون الطريق الأمثل أن يتنازل الطرفان إلى جلسة تفاهمية، لأن القرار القسري يكون ضرره شديدًا على مفهوم القانون. ولحل ذلك، يسعى الطرفان إلى مصلحة مشتركة تخدم الوطن والمواطنين.
وكما أن الكابتن لو بحث في هذه القضية، واستمع إلى المعنيين، لحصل التوافق بين المصلحتين. إذ إن الدول العربية تسعى إلى تقديم المنح الدراسية في التخصصات العلمية التطبيقية، ولكن حاجز اللغة الإنجليزية منع العديد من الطلاب من اختيار هذه التخصصات. فإذا تدخلت الدولة لتعديل النظام التعليمي، ودمج اللغة الإنجليزية، فإنها تنتج مواطنين يستجيبون لاحتياجات الدولة التكنولوجية والتقنية من المستعربين.
فالمقترح لتحقيق التوازن بين المصلحتين الوطنية والفردية:
تخصيص معهد عالٍ للخريجين في الخارج، يشمل فرعين: العربي، والفرنسي، في تكوين الخريجين الراغبين في الوظائف الحكومية، حيث تتحقق الكفاءة الإدارية، وتنشر الثقافة المؤسسية الوطنية، والولاء لخدمة الشعب الأفريقي.
أما التساؤلات الأخرى:
هل وضع المدارس العربية فعّال في تحقيق الرؤى الوطنية والتنموية في أفريقيا؟ وهل التعليم الإسلامي العربي ينعكس على التغيرات التنموية؟ وما سبل تحديث المدارس للموازنة بين الثقافة الإسلامية والقيم الاجتماعية والثقافية؟ وهل يستحق أن نحكم على الإسلام بأخطاء المسلمين، أو المدّعين لتيارات مذهبية، في حين لا يجوز أن نحكم على الديمقراطية من خلال أخطاء الديمقراطيين؟
وفي الختام:
تتطور الدولة بالتخطيط التعليمي، لتحقيق منظومة تعليمية متكاملة، في ضوء مراعاة حرية الأفراد عند اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وتكييف جميع الطاقات والكفاءات في خدمة الوطن والمواطنين. فإن القرارات المبنية على التعيين لا تحل مشكلة وطنية ولا قضية عامة، كما أن صياغة القانون من مظاهر الثقافة الأفريقية، ومراعاة ديانة الأغلبية تساهم في تحقيق الرفاهية الاجتماعية، والاستقرار السياسي، والتطور العلمي، والتقني، والتنموي في جميع المجالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى