د.عمر علي عيسى نيانغ
تتجه الأنظار إلى جمهورية الرأس الأخضر مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 17 مايو 2026، في محطة سياسية مهمة تعكس استمرار المسار الديمقراطي الذي تميزت به البلاد خلال العقود الماضية. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة، ليس فقط لكونها استحقاقًا برلمانيًا يحدد شكل الأغلبية السياسية المقبلة، بل لأنها تأتي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها تطلعات التنمية الاقتصادية مع تحديات الاندماج الاجتماعي وتعزيز الاستقرار السياسي.
وتُعد الرأس الأخضر واحدة من أبرز التجارب الديمقراطية الناجحة في القارة الإفريقية، حيث حافظت منذ اعتماد التعددية السياسية مطلع التسعينيات على تداول سلمي للسلطة ومؤسسات انتخابية تحظى بقدر معتبر من الثقة والشفافية. وفي ظل ما تعرفه بعض دول المنطقة من اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية، تبدو الانتخابات التشريعية المقبلة اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة على المحافظة على هذا النموذج الديمقراطي وتعزيزه.
وتشهد الساحة السياسية منافسة رئيسية بين حزب “حركة الديمقراطية” الحاكم، الذي يقود الحكومة الحالية، والحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر، الساعي إلى العودة بقوة إلى قيادة المشهد السياسي عبر البرلمان. وبين خطاب يركز على الاستمرارية الاقتصادية والانفتاح على الاستثمار والسياحة، وخطاب معارض يطالب بمزيد من العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين الجزر وتعزيز فرص الشباب، يجد الناخب الرأس أخضري نفسه أمام خيارات ترتبط بشكل مباشر بمستقبل البلاد خلال السنوات القادمة.
وقد تمكنت الحكومة خلال السنوات الأخيرة من تحقيق مؤشرات إيجابية في قطاعات السياحة والخدمات والاقتصاد الرقمي، مستفيدة من الاستقرار السياسي والانفتاح الخارجي. غير أن ذلك لم يمنع من بروز تحديات اجتماعية واقتصادية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة والهجرة، وهي ملفات تحاول المعارضة استثمارها في حملتها الانتخابية، خصوصًا داخل المدن الكبرى والعاصمة برايا.
ومن الخصوصيات اللافتة في الانتخابات التشريعية بالرأس الأخضر الدور المهم الذي تلعبه الجاليات المقيمة بالخارج، حيث يشكل أبناء المهجر امتدادًا حقيقيًا للمجتمع الرأس أخضري، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية. ولهذا تخصص الدولة دوائر انتخابية للمغتربين في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، في خطوة تعكس حرص المؤسسات على تعزيز مفهوم الاندماج الوطني العابر للحدود وربط أبناء الوطن بمسار التنمية وصناعة القرار.
كما أن هذه الانتخابات تمثل فرصة لتجديد النقاش حول مستقبل الدولة في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، خاصة في ما يتعلق بقضايا الأمن البحري، والهجرة، والطاقة، والتعاون الاقتصادي مع الشركاء الأوروبيين والأفارقة. فالرأس الأخضر، رغم محدودية موارده الطبيعية ومساحته الجغرافية، استطاع أن يبني صورة إيجابية كدولة مستقرة ومنفتحة تعتمد على الاستثمار في الإنسان والتعليم والمؤسسات.
إن الانتخابات التشريعية ليوم 17 مايو 2026 ليست مجرد منافسة حزبية على مقاعد البرلمان، بل هي تعبير عن حيوية التجربة الديمقراطية في الرأس الأخضر، وعن سعي المجتمع إلى تحقيق توازن بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الاستقرار السياسي والانفتاح الديمقراطي. وفي جميع الأحوال، فإن نجاح هذا الاستحقاق سيعزز مكانة البلاد كنموذج إفريقي هادئ استطاع أن يجعل من الديمقراطية أداة للبناء والاندماج وصناعة المستقبل.




