محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي متخصص في القضايا الإجتماعية وحقوق الإنسان
medabd388@gmail
يمثل «قانون السود» (Code noir) واحدا من أكثر النصوص القانونية قسوة في التاريخ الاستعماري الأوروبي، ليس فقط لأنه شرعن العبودية، بل لأنه حول الاستعباد إلى منظومة قانونية كاملة تدار باسم الدولة وتمارس تحت غطاء “الشرعية”. فمنذ صدوره سنة 1685 في عهد الملك لويس الرابع عشر، لم يكن القانون مجرد تنظيم إداري للمستعمرات الفرنسية، بل وثيقة رسمية لإلغاء إنسانية الإنسان الأسود وتجريده من كل حق طبيعي أو أخلاقي
لم يكن الاستعمار الأوروبي مجرد احتلال للأرض ونهب للثروات، بل كان أيضا مشروعا متكاملا لإخضاع الإنسان وسحق كرامته وتحويله إلى أداة إنتاج بلا روح ولا حقوق. ويعد :
«قانون السود» (Code noir) الصادر سنة 1685 أحد أخطر النماذج القانونية التي جسدت هذا الوجه الوحشي للاستعمار الفرنسي، بعدما حول ملايين الأفارقة المستعبدين إلى “أملاك منقولة” تباع وتشترى وتؤجر كما تؤجر الحيوانات والممتلكات.
لقد منح هذا القانون للعبودية غطاء رسميا باسم الدولة، ورسخ نظاما عنصريا يقوم على التمييز العرقي والاستغلال الاقتصادي المطلق. فالإنسان الأسود داخل المستعمرات الفرنسية لم يكن ينظر إليه باعتباره بشرا كامل الحقوق، بل كسلعة اقتصادية تخضع لمنطق السوق والربح والخسارة. ولهذا نص القانون على عقوبات بالغة الوحشية بحق العبيد الذين يحاولون الفرار أو التمرد، شملت قطع الأذنين، والوسم بالحديد المحمى، وقطع أوتار الساق، وصولا إلى الإعدام عند تكرار محاولة الهروب.!!
هذه العقوبات لم تكن مجرد وسائل ردع، بل كانت رسالة سياسية واستعمارية تهدف إلى ترسيخ الخوف وتحطيم إرادة التحرر. فالاستعمار كان يدرك أن العبد الذي يفكر في الحرية يمثل خطرا على النظام الاقتصادي القائم على العمل القسري ونهب الإنسان. لذلك جرى تحويل التعذيب إلى أداة قانونية تمارس باسم “النظام” و”حماية الممتلكات”!!
ورغم أن فرنسا تقدم نفسها اليوم باعتبارها حاملة لقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، فإن جزءا مهما من تاريخها الاستعماري ظل قائما على تناقض صارخ بين الشعارات والممارسة. فالدولة التي رفعت لاحقا شعار “حقوق الإنسان والمواطن” كانت قد شرعت قبل ذلك بقرن كامل قوانين تسلب ملايين البشر إنسانيتهم بسبب لونهم وأصلهم.
إن قرار الجمعية الوطنية الفرنسية إلغاء «قانون السود» رسميا يحمل دلالات رمزية وأخلاقية مهمة، حتى وإن جاء متأخرا بعد قرون من المعاناة والدماء. فهذا الإلغاء لا يعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يمحو الجرائم التي ارتكبت في حق الشعوب المستعبدة، لكنه يشكل اعترافا ضمنيا ببشاعة نظام قانوني قام على العنصرية والاستغلال والتمييز المنهجي.
كما يعكس هذا القرار تحولا متزايدا داخل المجتمعات الأوروبية تجاه ضرورة مواجهة الذاكرة الاستعمارية بدل الهروب منها أو تبريرها. فالكثير من الدول الاستعمارية ظلت لعقود طويلة تتعامل مع ماضيها الاستعماري باعتباره “مرحلة تاريخية” يمكن تجاوزها بالصمت، بينما ترى الشعوب التي عانت من العبودية والاستعمار أن العدالة التاريخية تبدأ أولا بالاعتراف بالحقيقة.
لكن السؤال الأعمق يظل مطروحا: هل يكفي إلغاء النصوص القانونية القديمة لمواجهة آثارها الممتدة حتى اليوم؟ فالإرث الاستعماري لم يختف بالكامل، بل ما تزال آثاره حاضرة في أشكال متعددة من التمييز والعنصرية والهيمنة الاقتصادية والثقافية. ولذلك فإن مواجهة الماضي لا يجب أن تتوقف عند الرمزية السياسية، بل ينبغي أن تتحول إلى مراجعة حقيقية للذاكرة، وإلى التزام فعلي بقيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
لقد سقط «قانون السود» أخيرا من السجل التشريعي الفرنسي، لكنه سيظل شاهدا تاريخيا على مرحلة حاول فيها الاستعمار أن يمنح الجريمة صفة القانون، وأن يحول القهر إلى نظام رسمي. غير أن التاريخ أثبت دائما أن القوانين التي تبنى على الظلم والعنصرية لا تملك القدرة على البقاء، مهما طال الزمن، لأن إنسانية الإنسان أقوى من كل تشريع يهدف إلى سحقها.




