وائل المولى كاتب صحفي
لم يعد العالم يعيش أزمات منفصلة. فالحرب في الشرق الأوسط، والحرب الروسية–الأوكرانية، وصراع الطاقة، والتنافس على أفريقيا، تبدو ملفات متباعدة، لكنها في العمق ترتبط بتحول أكبر يكمن في إعادة تشكيل النظام الدولي وموازين القوة التي حكمت العالم لعقود.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، بدا أن العالم يتجه نحو نظام تهيمن عليه قوة واحدة، لكن السنوات الأخيرة كشفت أن هذه المعادلة لم تعد كافية لتفسير ما يجري. روسيا ما زالت لاعباً رئيسياً في الأمن والطاقة، والصين تتقدم اقتصادياً وتكنولوجياً وجيوسياسياً، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها، وتسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي في الأمن والطاقة والمصالح الدولية.
وفي الشرق الأوسط، لم تعد الحروب مجرد صراعات محلية. فالمنطقة أصبحت نقطة تقاطع بين الأمن والطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية والنفوذ الدولي. ومن البحر الأحمر إلى الخليج وشرق المتوسط، تتداخل المصالح الكبرى مع الصراعات الإقليمية، فيما بدأت دول المنطقة نفسها تتحول إلى أطراف فاعلة في صياغة التوازنات الجديدة.
أما الحرب الروسية–الأوكرانية، فقد أعادت إلى أوروبا أسئلة ظنت أنها أصبحت من الماضي مثل أمن الحدود، والردع العسكري، واستقلال القرار الاستراتيجي، وأمن الطاقة. وأثبتت أن الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ وقوة جيوسياسية.
وفي أفريقيا، يجري تحول لا يقل أهمية. فالقارة التي كانت لعقود ساحة نفوذ للقوى التقليدية، أصبحت اليوم مجالاً للتنافس على الموارد والطاقة والموانئ والأسواق والممرات الاستراتيجية. ومع تنامي حضور الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج إلى جانب القوى الغربية، بدأت أفريقيا تتحول من ساحة للصراع على النفوذ إلى أحد ميادين صناعة النفوذ العالمي.
لكن خلف كل هذه الصراعات توجد معركة أعمق وهي معركة الأفكار والنماذج.
فالقوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لصناعة النفوذ، والاقتصاد وحده لا يمنح الدول القدرة على القيادة. فالدولة التي تريد موقعاً مؤثراً في النظام القادم تحتاج إلى الجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة والقوة والدبلوماسية والتحالفات، والأهم القدرة على تقديم نموذج سياسي واقتصادي وثقافي مقنع.
وهنا تستعيد عبارة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي معناها: عندما يموت القديم ويكافح الجديد من أجل أن يولد، تظهر الأزمات والاضطرابات في المسافة الفاصلة بينهما.
وربما نعيش نحن جميعاً اليوم هذه المسافة.
لذلك لم يعد السؤال: هل سيتغير العالم؟ بل أصبح من سيشارك في صناعة هذا التغيير، ومن سيكتفي بمراقبته؟
فالنظام العالمي الجديد لن تصنعه الحروب وحدها، بل القدرة على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وبناء الاقتصادات، وتشكيل التحالفات، وصياغة الأفكار التي تتحول إلى مشاريع للمستقبل.
العالم القادم لن يكون بالضرورة لمن يملك القوة الأكبر، بل لمن يعرف كيف يحوّل القوة إلى نفوذ، والنفوذ إلى رؤية، والرؤية إلى مستقبل.




