أحمد ولد الدوه الشنقيطي
تعيش مالي واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع أزمتها الأمنية قبل أكثر من عقد، في ظل تصاعد الهجمات المسلحة، وتراجع سلطة الدولة في بعض المناطق، وتداخل أجندات محلية وإقليمية ودولية.
واقع يطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل البلاد، وما إذا كانت مهددة بسيناريوهات أكثر قتامة، قد تعيد إلى الأذهان تجارب دول انهارت تحت وطأة الفوضى.
في قلب هذا المشهد، تتقاطع عدة عوامل؛ من بينها نشاط الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيمات مثل تنظيم القاعدة وبوكو حرام، إلى جانب الحركات المسلحة ذات الطابع السياسي، وعلى رأسها تلك التي تتبنى قضية أزواد.
هذا التداخل بين ما هو سياسي وما هو عقائدي مسلح، يعقّد المشهد ويجعل من الصعب رسم حدود واضحة بين المطالب المشروعة والمشاريع المتطرفة.
ورغم أن قضية أزواد تظل، بالنسبة لكثيرين، تعبيرًا عن مطالب تاريخية مرتبطة بالتهميش والهوية، إلا أن تصاعد نفوذ الجماعات المتشددة يهدد بتأجيل هذه القضية مجددًا، أو حتى تشويهها، كما حدث في مراحل سابقة.
فحين تهيمن التنظيمات الراديكالية على الأرض، تتراجع الأصوات السياسية، وتُختزل الصراعات في بعدها الأمني فقط.
القلق الأكبر لا يقتصر على الداخل المالي، بل يمتد إلى دول الجوار، خصوصًا موريتانيا والسنغال، اللتين تراقبان بحذر تطورات الوضع. فالتجارب الإقليمية أظهرت أن هشاشة دولة واحدة في الساحل قد تتحول بسرعة إلى تهديد عابر للحدود، سواء عبر تسلل الجماعات المسلحة أو انتشار الفكر المتطرف.
في هذا السياق، تبرز مخاوف من تكرار سيناريوهات شهدتها دول مثل سوريا، حيث أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى فراغ استغلته قوى متشددة وأطراف خارجية لتصفية صراعاتها.
ورغم اختلاف السياقات، إلا أن تشابه بعض المؤشرات، كضعف الدولة وتعدد الفاعلين، يجعل المقارنة حاضرة في أذهان المراقبين.
كما لا يمكن تجاهل صراع النفوذ الدولي في المنطقة، حيث يتراجع الدور التقليدي لبعض القوى مقابل صعود أخرى، ما يحوّل مالي إلى ساحة تنافس جيوسياسي. هذا التنافس، بدل أن يسهم في الحل، قد يزيد من تعقيد الأزمة، خاصة إذا طغت الحسابات الاستراتيجية على متطلبات الاستقرار.
أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة شاملة لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تشمل أيضًا معالجة جذور الأزمة، من خلال التنمية، وتعزيز العدالة، وفتح قنوات حوار سياسي جاد مع مختلف الفاعلين.
كما أن التنسيق الإقليمي، خاصة بين دول الجوار، يظل عنصرًا أساسيًا في احتواء التداعيات ومنع انتقالها.
في الإخير: تقف مالي اليوم عند مفترق طرق: إما استعادة الدولة لزمام المبادرة وبناء مسار استقرار تدريجي، أو الانزلاق نحو مزيد من الفوضى التي قد تعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.
وبين هذا وذاك، تبقى اليقظة الإقليمية والوعي بالمخاطر حجر الزاوية في تجنب الأسوأ.




