بقلم عمر فال
كانت السنغال أول دولة فرنكوفونية في منطقة جنوب الصحراء تعتمد التعددية القانونية في مجال الأسرة، وذلك بموجب قانون الأسرة الصادر سنة 1972. وقد اقتفت أثرها واستفادت من تجربتها التشريعية في هذا المجال دول أخرى، من بينها توغو، التي أصدرت قانون أسرتها سنة 1980.
وتتمثل خصوصية التعددية القانونية السنغالية في إدراج ثلاثة أنظمة قانونية تحت نظام تشريعي واحد؛ فهي تعددية من حيث مصادرها، ووحدة من حيث القانون الذي يجمعها. وهذه الأنظمة هي: القانون المدني الحديث العام، والقانون الإسلامي، والقانون العرفي.
ويرجع اعتماد هذه التعددية إلى جملة من الأسباب، من أهمها استصحاب الوضع التشريعي الذي كان ساريًا خلال الفترة الاستعمارية، فضلًا عن اختلاف الثقافات والتقاليد القانونية التي تعكس واقع المجتمع السنغالي وتنوع مكوناته.
غير أن هذه التعددية لم تكن مقصودة لذاتها عند وضع القانون، ولم يكن يراد لها، على ما يبدو، أن تكون نظامًا دائمًا، بل كانت تُعتبر مرحلة انتقالية ومؤقتة، وكان الهدف الأساس هو السير تدريجيًا نحو تحديث القانون الأسري عمومًا. ولتحقيق هذا الغرض، الذي يعبّر عنه بعض الباحثين ب”روح القانون”، استخدم المشرع عدة وسائل، من أهمها:
- وضع هرمية بين الأنظمة القانونية، بجعل القانون الحديث هو القانون العام في أغلب أبواب ومسائل قانون الأسرة، وجعل القانون الإسلامي قانونًا خاصًا أو استثنائيًا.
- وضع أحكام ومواد إجرائية عامة تنطبق على مختلف الأنظمة الموجودة في القانون، ولا سيما في كتاب الميراث، الذي تتجسد فيه هذه التعددية بصورة أكثر وضوحًا.
فكان الهدف المنشود، في نهاية المطاف، هو ترسيخ القانون الحديث، ولو كان ذلك على حساب بعض المعطيات التاريخية والاجتماعية. غير أن هذا الهدف لم يكن من الممكن تحقيقه دفعة واحدة، فكان لا بد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات التشريعية التي يُنتظر أن تؤدي، مع مرور الزمن، إلى تحقيقه.
وهذا يتفق مع ما عبّرت عنه الباحثة أمست صو سيدبي بقولها:
“Cette observation est une spécificité de la plupart des États africains qui conçoivent la norme juridique comme un instrument au service d’une politique de transformation sociale et de construction de l’État”. (Le pluralisme juridique, p: 9)
أي إن القاعدة القانونية، في كثير من الدول الإفريقية، لا تُنظر إليها بوصفها مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل باعتبارها أداة في خدمة سياسة تهدف إلى التحول الاجتماعي وبناء الدولة.
غير أن المفاجأة تتمثل في أن النظام الإسلامي، الذي وُضع في البناء التشريعي في مرتبة النظام “الاستثنائي”، ظل حاضرًا بقوة في الواقع العملي، فلم يتقهقر، وإنما واصل التقدم بخطوات حثيثة. ففي باب الإرث، مثلًا، على الرغم من كونه نظاما استثنائيا ومقيدًا بشروط معينة، أصبح النظام الإسلامي هو الغالب في التطبيق، بل تصدر المشهد حتى صار، من الناحية العملية، أقرب إلى القانون العام في هذا الباب.
وتكشف دراسة السوابق القضائية عن مدى ميل القضاة أنفسهم إلى ترجيح النظام الإسلامي، وتفسير النصوص المنظمة له على نحو يعزز حضوره في الواقع العملي، استجابةً لواقع اجتماعي يفرض نفسه بقوة.
واليوم، ارتفعت أصوات من اتجاهات مختلفة تنادي بإصلاح قانون الأسرة، وتشير مؤشرات عديدة إلى أن السلطات تتجه إلى إجراء إصلاحات في هذا المجال. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما عسى أن يكون موقف المشرع من مبدأ التعددية القانونية؟
هل ستظل هذه التعددية قائمة؟ وإن بقيت، فهل سيظل القانون الإسلامي قانونًا “استثنائيًا”، كما كان عند وضع القانون؟ أم أن الواقع الاجتماعي والقانوني سيفرض إعادة النظر في هذه الهرمية؟ أم أن السلطات ستتجه إلى وضع قوانين متعددة وفق الأنظمة القانونية القائمة، بحيث يأخذ كل نظام منها بعين الاعتبار ديانة المنتمين إليه وثقافتهم، كما هو الحال في بعض الدول التي تعرف تعددية قانونية أكثر وضوحًا، مثل غامبيا؟
ولعل أحد الخيارات الممكنة يتمثل في الإبقاء على وحدة قانون الأسرة مع اعتماد وتطوير نظام الخيارات في المسائل التي تختلف فيها الأنظمة القانونية أو الدينية، بحيث يُترك للمسلمين الاحتكام إلى أحكام الفقه الإسلامي، وللمسيحيين الرجوع إلى تعاليم دينهم.
وتقتضي هذه الفكرة، من الناحية المؤسسية والتشريعية، أمورًا عدة، من أهمها:
- إنشاء محاكم متخصصة للمسلمين، وأخرى للآخرين، للنظر في القضايا التي يحكمها النظام الديني أو الفكري الخاص بكل جماعة.
- إجراء تعديل دستوري يأخذ بعين الاعتبار هذا التوجه، ويؤسس له إطارًا قانونيًا واضحًا يضمن مشروعيته وينظم مجالات اختصاصه.




