Articles

إبراهيم تراوري… عندما تتحول الشعبوية إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ

د.عمر على عيسى نيانغ

ليست القيادة الحقيقية في صناعة الشعارات، ولا في استدعاء صفحات التاريخ بصورة انتقائية، بل في بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحقيق الأمن والتنمية والعدالة. وعندما تعجز السلطة عن تقديم إنجازات ملموسة، يصبح الخطاب الشعبوي وسيلة سهلة لصرف الأنظار عن التحديات الداخلية، عبر اختلاق خصوم جدد أو تحميل الآخرين مسؤولية إخفاقات الحاضر.

وفي هذا السياق، تثير التصريحات الأخيرة للرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، الكثير من علامات الاستفهام. فقد ادعى أن العرب استعبدوا الأفارقة على مدى ألف عام، ثم أضاف أن الشباب البوركينابي الذين قصدوا الدول العربية لم يذهبوا إلا لدراسة الشريعة والفقه الإسلامي، في طرح يفتقر إلى الدقة التاريخية ويتجاهل حقائق موثقة يعرفها الباحثون والمؤرخون.

ولا خلاف على أن الرق كان ظاهرة تاريخية عرفتها الإنسانية في قارات متعددة، ومارسته إمبراطوريات وممالك وشعوب مختلفة عبر عصور متباينة، ولم يكن حكراً على العرب أو المسلمين. كما أن العديد من المجتمعات الإفريقية نفسها عرفت أنظمة للرق قبل الاتصال بالعالم العربي، وهو ما تؤكده الدراسات التاريخية. ومن ثم، فإن اختزال العلاقة العربية الإفريقية في هذا الجانب وحده يمثل قراءة انتقائية لتاريخ طويل ومعقد، أغفل جوانب أكثر تأثيراً وعمقاً.

لقد قامت العلاقات العربية الإفريقية، عبر قرون، على التبادل التجاري والثقافي والعلمي، وأسهمت في انتشار المعرفة، وتأسيس مراكز علمية، وتعزيز التواصل بين الشعوب. كما قدمت الدول العربية آلاف المنح الدراسية للطلاب الأفارقة، وكان من بينهم عدد كبير من أبناء بوركينا فاسو الذين درسوا في تخصصات متنوعة، منها الطب والهندسة والصيدلة والزراعة والاقتصاد والإدارة والقانون والإعلام والعلوم السياسية، إلى جانب الدراسات الإسلامية واللغة العربية. وقد عاد هؤلاء إلى وطنهم ليساهموا في مؤسسات الدولة والجامعات والمستشفيات والإدارات العامة، وكان لهم دور في خدمة مجتمعهم وتنمية بلادهم.

أما تصوير الشريعة الإسلامية وكأنها تمثل خطراً أو اختزالها في صورة سلبية، فهو طرح لا يخدم النقاش الموضوعي. فالشريعة، باعتبارها مجالاً أكاديمياً، تُدرَّس في جامعات ومؤسسات علمية داخل العالم الإسلامي وخارجه، شأنها شأن القانون المقارن أو الفلسفة أو العلوم السياسية، ولا يجوز تقييمها من خلال تصورات سياسية أو مواقف أيديولوجية.

لكن السؤال الأهم الذي ينتظر المواطن البوركينابي إجابة واضحة عنه هو: ماذا تحقق منذ وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة؟

كم جامعة جديدة أنشئت؟ وكم معهداً للتكوين المهني افتُتح؟ وكم مشروعاً صناعياً أو زراعياً أُطلق؟ وما حجم الاستثمارات التي دخلت البلاد؟ وما الذي تحقق في مجالات الأمن، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، وخلق فرص العمل للشباب؟

إن شرعية أي سلطة لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بقدرتها على إثارة الجدل، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين. فالشعوب لا تعيش على الشعارات، ولا تُبنى الدول بإعادة تفسير التاريخ، بل تُبنى بالمؤسسات، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان، والإدارة الرشيدة.

إن إفريقيا اليوم بحاجة إلى قادة يصنعون المستقبل، لا إلى خطابات تُعيد إنتاج الانقسامات التاريخية. كما أن العلاقات العربية الإفريقية، بما تحمله من إرث حضاري وثقافي وإنساني، أكبر من أن تُختزل في روايات سياسية عابرة أو تصريحات تفتقر إلى التوازن والإنصاف.

وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن لأي قيادة أن تحقق نهضة حقيقية عبر الخطابات الشعبوية، أم أن الطريق إلى مستقبل أفضل يبدأ ببناء المدارس والجامعات، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ دولة المؤسسات؟

ذلك هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به القيادات، وتُكتب به صفحات التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. العرب في ماذ أستبعدو الافارقة إذ العرب لاحول لهم ولاقوة أمام ماكينة الطحن الغربية والشرقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى