Articles

حين تُهدَّد عُمان تُهدَّد الدبلوماسية:منطق القوة في مواجهة جسور الحوار

د.عمر علي عيسى

إن تهديد سلطنة عُمان بالقوة العسكرية من طرف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على خلفية الخلافات المرتبطة بالتفاهمات حول مضيق هرمز، يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط لأنه يستهدف دولة ذات سيادة، وإنما لأنه يضع الدبلوماسية الدولية واحترام سيادة الدول ودور الوساطة أمام اختبار حقيقي.

إن عُمان لم تكن طرفاً في الحرب، ولم تسعَ إلى تحويل مضيق هرمز إلى ساحة صراع، بل اختارت منذ عقود سياسة تقوم على الاعتدال والحوار والحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف. وفي أزمات إقليمية ودولية معقدة، استطاعت مسقط أن تؤدي دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر وتسهيل الاتصالات، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران.

وقد برز هذا الدور بوضوح في المفاوضات والاتصالات المرتبطة بالملف الإيراني وأمن الخليج ومضيق هرمز، حيث عملت عُمان على إبقاء المسار السياسي مفتوحاً في وقت كانت فيه لغة التصعيد تهدد بإغلاق أبواب التفاوض.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كيف يمكن تهديد الدولة التي تقوم بدور الوسيط، بينما يُفترض أن يكون الحفاظ على الوساطة مصلحة مشتركة لكل من يريد تجنب الحرب؟

فالوسيط لا يستطيع أداء دوره إذا كان مطلوباً منه تبني موقف طرف واحد. وقيمة عُمان تحديداً تكمن في قدرتها على التواصل مع أطراف متخاصمة، ونقل الرسائل، وتهيئة الظروف للتفاوض، دون أن تتحول إلى طرف في النزاع. ومن ثم، فإن التعامل مع مسقط باعتبارها عائقاً لمجرد اختلافها في بعض تفاصيل التفاهمات يمثل إضعافاً للعملية الدبلوماسية نفسها.

فالوسيط الذي يفاوض ليس المشكلة؛ غياب الوسيط هو المشكلة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق بمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية والاستراتيجية في العالم، وترتبط به مصالح الطاقة والتجارة وأمن الملاحة الدولية. وأي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبره لن يبقى محصوراً في منطقة الخليج، بل يمكن أن تمتد آثاره إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والاقتصاد الدولي.

ولهذا فإن أمن المضيق لا يمكن أن يُدار بمنطق التهديد وحده. فالقوة العسكرية قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تبني الثقة ولا تصنع اتفاقاً مستداماً. أما التفاهمات السياسية والأمنية والقانونية، فهي التي تستطيع توفير ترتيبات مستقرة وقابلة للاستمرار.

ومن هنا تأتي أهمية الدور العُماني. فالوساطة تحتاج إلى الثقة والاستقلالية ومساحة آمنة للتحرك. وإذا شعر الوسيط بأن عدم تبنيه موقفاً معيناً قد يجعله عرضة للتهديد، فإن قدرته على أداء دوره تتراجع، وتصبح العملية التفاوضية برمتها أكثر هشاشة.

وهذا لا يخدم الولايات المتحدة، ولا إيران، ولا دول الخليج، ولا المجتمع الدولي.

إن الولايات المتحدة، بحكم قوتها ومكانتها الدولية، من حقها أن تدافع عن مصالحها وأمن الملاحة، وأن تستخدم أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي. لكن القوة الكبرى تُقاس أيضاً بقدرتها على ضبط استخدام القوة، وبقدرتها على تحقيق أهدافها من خلال السياسة قبل الوصول إلى الحرب.

وحين يصدر التهديد عن رئيس الولايات المتحدة، فإن العالم لا يتعامل معه باعتباره مجرد تصريح عابر؛ فكلمات الرئيس الأميركي تحمل وزناً سياسياً وأمنياً كبيراً، وقد تؤثر في حسابات الحكومات والأسواق والمؤسسات العسكرية. ولذلك فإن تهديد دولة ذات سيادة، وخصوصاً دولة تقوم بدور الوساطة، يحمل تداعيات تتجاوز حدود العلاقة الثنائية.

إن احترام سيادة الدول ليس تنازلاً تقدمه القوى الكبرى، وإنما مبدأ أساسي في النظام الدولي. ويمكن للدول أن تختلف، وأن تضغط سياسياً، وأن تتفاوض، وأن ترفض، لكن تحويل الخلاف إلى تهديد عسكري يفتح باباً خطيراً يصعب التحكم في نتائجه.

والأخطر أن إضعاف الدور العُماني قد يبعث برسالة سلبية إلى الدول الأخرى التي تقوم بأدوار الوساطة: هل تصبح الوساطة مقبولة فقط عندما تحقق النتيجة التي تريدها القوى الكبرى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن سيبقى مستعداً لفتح قنوات الحوار عندما تصل الأزمات إلى حافة الحرب؟

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الجسور المهدمة. المنطقة تعاني أصلاً من صراعات وتوترات عميقة، وأي مواجهة جديدة حول مضيق هرمز قد تتجاوز أطرافها المباشرة، وتؤثر في الطاقة والتجارة والملاحة والاقتصاد العالمي.

لذلك فإن الحكمة تقتضي دعم قنوات الحوار، لا تهديدها.

يمكن لواشنطن أن تختلف مع عُمان، ويمكن لمسقط أن تختلف مع واشنطن، كما يمكن لإيران أن تختلف مع الطرفين. لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد عسكري، والوساطة لا ينبغي أن تصبح سبباً لاستهداف الوسيط.

عُمان ليست خصماً ينبغي تهديده، بل جسراً ينبغي الحفاظ عليه.

لقد اختارت مسقط أن تكون مساحة للحوار في منطقة تتسع فيها دوائر الصراع، وهذا الدور لا ينبغي إضعافه، بل ينبغي تشجيعه واحترامه. فإذا كانت واشنطن تريد حماية الملاحة، ومنع التصعيد، والوصول إلى تفاهمات مع طهران، فإن وجود قناة عُمانية مفتوحة يمثل فرصة استراتيجية، لا عقبة.

وفي النهاية، فإن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، وإنما في القدرة على منعها عندما يكون منعها ممكناً.

فمضيق هرمز شريان للتجارة والطاقة، لكن الدبلوماسية هي شريان السلام. وتهديد من يحاول حماية هذا الشريان لا يخدم الاستقرار، بل يضعف أحد أهم الجسور التي قد يحتاج إليها العالم في اللحظة التي يصبح فيها الحوار أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى