عمر علي عيسى نيانغ
يحتل مضيق هرمز موقعًا بالغ الحساسية في بنية الأمن والطاقة العالميين، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط الدولية. غير أن أهميته اليوم لم تعد تقتصر على البعد الاقتصادي، بل امتدت لتشمل كونه ساحة مركزية لإدارة التوازنات الجيوسياسية بين القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة.
تفاقم هذا التوتر بشكل ملحوظ منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني 2015، وما تبعه من إعادة فرض منظومة عقوبات اقتصادية واسعة استهدفت قطاع الطاقة الإيراني، في محاولة لإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي والحد من نفوذها. وقد أسهم هذا المسار في إنتاج حالة “حصار اقتصادي مركّب”، لم يقتصر على تقييد الموارد المالية، بل امتد ليضغط على قدرة إيران على الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.
في مواجهة هذا الضغط، تبنّت إيران استراتيجية قائمة على تعظيم عناصر القوة غير المتكافئة، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي. وهنا برز مضيق هرمز كأداة ردع استراتيجية، حيث يمنح طهران قدرة كامنة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، عبر التهديد بإرباك أو تعطيل حركة الملاحة في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. وقد تعزّز هذا الدور من خلال توسّع حضور الحرس الثوري الإيراني في البيئة البحرية الخليجية، بما يشمل المناورات العسكرية وفرض قواعد اشتباك غير مستقرة، تُبقي احتمالات التصعيد قائمة دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.
غير أن أهمية المضيق في المرحلة الراهنة لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، والتي اتسمت بامتداد رقعة المواجهة من غزة إلى جنوب لبنان، وصولًا إلى البحر الأحمر. وقد أسّس هذا الامتداد الإقليمي للصراع لواقع جديد يقوم على “تشبيك الجبهات”، حيث لم تعد المواجهات منفصلة أو محصورة جغرافيًا، بل باتت مترابطة ضمن منظومة واحدة من الضغط السياسي والعسكري.
في هذا السياق، تحوّلت الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى جزء من شبكة أوسع من “نقاط الاختناق” التي تشمل أيضًا مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويعكس هذا التحول انتقال طبيعة الصراع من المواجهة التقليدية إلى صراع على التحكم في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، بما يجعل الاقتصاد العالمي نفسه جزءًا من معادلة الردع.
على الجانب الآخر، تبنّت الولايات المتحدة مقاربة تقوم على “الردع المتقدم” واحتواء التصعيد، عبر تعزيز وجودها العسكري في الخليج، وتكثيف الدوريات البحرية، وبناء تحالفات دولية لضمان حرية الملاحة. وفي الوقت ذاته، استمرت في توظيف العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط استراتيجية، تهدف إلى تقليص قدرات إيران ومنعها من تحويل التهديدات الجيوسياسية إلى واقع ميداني.
وهكذا تتبلور معادلة “حصار مقابل حصار” في صورتها المركّبة: حصار اقتصادي ومالي تقوده واشنطن لإعادة تشكيل سلوك إيران، يقابله توظيف إيراني للجغرافيا الاستراتيجية لخلق حالة من عدم اليقين في أهم شرايين الطاقة العالمية. هذه المعادلة لا تقوم على الحسم، بل على إدارة التوازن ضمن هامش ضيق بين الردع والانفجار، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
اقتصاديًا، يظل مضيق هرمز عاملًا مباشرًا في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة العالمية، إذ يؤدي أي اضطراب فيه إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله، خصوصًا في ظل هشاشة سلاسل الإمداد الدولية. أما استراتيجيًا، فإن استمرار هذا الوضع يعكس حالة “استقرار هش” تقوم على الردع المتبادل غير المتكافئ، حيث تمتلك الأطراف أدوات تأثير مختلفة لكنها فعّالة في إدارة الضغط.
في المحصلة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحوّل إلى عقدة مركزية في هندسة الصراع الإقليمي والدولي. وفي ظل الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، تتعاظم أهميته بوصفه أداة ضغط ضمن معادلة الردع المتشابك، التي تُدار فيها الأزمات عبر الجغرافيا والاقتصاد والعسكر في آنٍ واحد. وبين منطق التصعيد وضوابط الردع، يبقى المضيق مؤشرًا حساسًا على اتجاهات الاستقرار أو الانفجار في النظام الدولي.




