✍️د. عمر علي عيسى نيانغ
يبلغ الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد اليوم مئة عام من العمر، بعد مسيرة سياسية وفكرية استثنائية جعلت منه واحدًا من أبرز الوجوه السياسية في إفريقيا خلال العقود الأخيرة. وبين من اتفق مع سياساته ومن اختلف معها، يبقى الرجل شخصية تاريخية صنعت حضورها بقوة في المشهد الإفريقي والدولي، وترك بصمة واضحة في تاريخ السنغال والقارة الإفريقية.
ولد عبد الله واد سنة 1926، وعاش مختلف التحولات السياسية التي عرفتها إفريقيا منذ حقبة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال، ثم مرحلة بناء الدول الوطنية والسعي نحو التنمية والوحدة الإفريقية. وقد جمع في شخصيته بين رجل القانون، والسياسي المخضرم، والمفكر الذي كان يؤمن بأن إفريقيا لا يمكن أن تحقق نهضتها الحقيقية إلا عبر التعاون والتكامل بين شعوبها ودولها.
عرف واد طويلًا كأحد أبرز رموز المعارضة السياسية في السنغال، حيث خاض معارك سياسية وفكرية عديدة دفاعًا عن التعددية والديمقراطية، قبل أن يصل إلى رئاسة الجمهورية سنة 2000 في محطة اعتبرها الكثيرون لحظة تاريخية في التداول السلمي على السلطة داخل القارة الإفريقية. وقد حمل وصوله إلى الحكم آمالًا واسعة لدى السنغاليين والأفارقة على حد سواء.
خلال فترة حكمه، عمل عبد الله واد على تعزيز مكانة السنغال إقليميًا ودوليًا، وفتح بلاده على شراكات واسعة مع مختلف دول العالم. فقد سعى إلى بناء علاقات متوازنة مع إفريقيا والعالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا، واضعًا مصلحة بلاده والتنمية الاقتصادية في مقدمة أولوياته. كما كان يؤمن بأن إفريقيا يجب أن تتحرر اقتصاديًا وفكريًا، وأن تمتلك قرارها السيادي بعيدًا عن التبعية والهيمنة.
وكان لواد حضور بارز في القضايا الإفريقية الكبرى، حيث دافع عن مشاريع الوحدة والتكامل القاري، وساند المبادرات الهادفة إلى تطوير البنية التحتية والتعاون الاقتصادي بين الدول الإفريقية. كما ارتبط اسمه بعدة مشاريع تنموية واستراتيجية هدفت إلى جعل السنغال مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا في غرب إفريقيا.
ورغم النقاشات التي رافقت بعض سياساته وقراراته خلال سنوات الحكم، إلا أن خصومه قبل أنصاره يعترفون بذكائه السياسي الاستثنائي، وقدرته على إدارة العلاقات الدولية، وشخصيته الكاريزمية التي جعلته حاضرًا بقوة في المحافل الإفريقية والدولية. فقد كان رجلًا صاحب رؤية وطموح، آمن بإمكانيات إفريقيا وبقدرة شعوبها على صناعة مستقبل أفضل.
إن الحديث عن عبد الله واد ليس مجرد حديث عن رئيس سابق، بل عن جيل كامل من القادة الأفارقة الذين عاشوا مراحل التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة، وساهموا في رسم ملامح السياسة الإفريقية المعاصرة. واليوم، وهو يبلغ قرنًا كاملًا من العمر، يقف التاريخ احترامًا لمسيرة رجل أفنى عمره في السياسة والفكر والعمل العام.
لقد اختلف الناس حوله، وانتقدوا بعض خياراته، وأشادوا ببعض إنجازاته، لكن الثابت أن عبد الله واد سيظل اسمًا حاضرًا في الذاكرة السياسية الإفريقية، ورمزًا من رموز السنغال الحديثة، ورجل دولة ترك أثره في بلاده وفي القارة الإفريقية بأكملها.
مئة عام من العمر… ومئة عام من الحضور السياسي والفكري والوطني، لرجل آمن بإفريقيا، ودافع عن مكانتها، وسعى لأن تكون القارة شريكًا فاعلًا في صناعة مستقبل العالم.




