أخبار

حسم التخطئة في عبارة : ” أقر الله عينك “

د. محمد موسى كمارا

هل قولك في الدّعاء للمخاطَب: (أقرَّ الله عينَك)، قولٌ خطأٌ يعني الدُّعاء عليه لا له؟ وهل معنى العبارة هو الدُّعاء بالعمى وذهاب البصر؟
من اللّطائف أنّني علَّقتُ ذات مرَّة، بالدّعاء لأحد أصحابنا في صفحته، فكتبتُ هذا الدُّعاء: (أقرَّ الله عينك)، فما لبثتُ غير دقائقَ معدوداتٍ حتَّى رأيتُ تعليقًا على تعليقي، يتعقَّب كلامي، وينسبُه إلى الخطأ، وينبِّهُني صاحبُه على أنَّ هذه العبارة فيها اللَّعنة لا الدُّعاء؛ إذ تعني: (أقرَّ الله عينك)، أي أسكن الله عينك، وسكون العين عن الحركة يعني العمى وذهاب البصر، فقضيتُ العجب من هذه التَّخطئة! ولم أكلِّف نفسي الدُّخول مع صاحبها في مسالك بعيدة؛ إذ رأيت الأمر بسيطًا لا يستحقُّ عناءً في سبيل الإثبات، فذكرت له واحدًا مـمَّا حضرني من الأقوال في اشتقاق الفعل، وهو أنَّ فعل (قرَّ) مشتقٌّ من (القَرور)، وهو الماء البارد، فقولي: (أقرَّ الله عينَك) يعني حرفيًّا: (أبرد الله عينَك)، ومعناه: هنَّأك الله وأرضاك، ثمَّ ذكّرت المعلِّق المخطّئ آياتٍ من كتاب الله، تشرح هذا الكلام، وتكشف اللّثام عن خفاياه، ومن أشهر هذه الآيات ورودًا على ألسنة الدّاعين والمتضرّعين، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، ومنها قوله سبحانه: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون)، ومنها قولُه في قصَّة موسى عليه السَّلام: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ)، وقوله في القصّة نفسها: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ). وهذه الآية الأخيرة، هي أقوى الشَّواهد في هذا الباب.
انتهى الحديث عند هذه الشَّواهد القرآنيَّة، واختتم الحوار بيني وبين ذلك الصّاحب، وفهم عنّي مشكورًا غير معانِد، ثمَّ لم أتتبَّع القضيَّة، وتركتها حيث هي، بسيطةً سهلةً لا تستحقّ تنبيهًا.
ولكن ماذا حصل؟ تكرَّر منّي الدّعاء نفسه في مكانٍ آخر، فجاءني التّعليق من شخصٍ آخر يكاد يعارض ويخطّئُ، فطفقتُ أتساءلُ: ما جذور هذه التّخطئة؟ وعلى أيّ أصل تقوم؟ فما اكتفيتُ بتنبيه هذا المصحِّح الثّاني، ولكنّني بحثتُ في أصل القضيَّة، فوجدتُ أنَّ حكايةً تُروى عن هارون الرّشيد، هي الشَّرارة التي أشعلت هذه النّار، ولم يحاول أصحابُها أن يراجعوها مراجعة متحقّقة تُطفئ لهيبها؛ تقول الحكاية: (ودخلت امرأةٌ على هارون الرّشيد، وعنده جماعةُ من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين: ‌أقرّ ‌الله ‌عينك، ‌وفرَّحك بما آتاك، وأتمَّ سعدك؛ لقد حكمتَ فَقَسَطْتَ، فقال لها: من تكونين أيّتُها المرأة؟ فقالت: من آل برمك، مـمَّن قتلتَ رجالَهم، وأخذتَ أموالَهم، وسلبتَ نوالهم، فقال: أمَّا الرّجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردودٌ إليك، ثمَّ التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة؟ فقالوا: ما نراها قالتْ إلا خيرًا. قال: ما أظنُّكم فهمتم ذلك، أمّا قولها: أقرَّ الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنتْ العين عن الحركة عميتْ، وأمَّا قولها: وفرّحك بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً)…”، وقد استمرَّ هارون الرّشيد في تفسير سائر العبارات، ففسَّر إتمام السّعادة ببداية نقصانها، كقول الشّاعر: (إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصُه)، وأوَّلَ فعل (قسطْتَ) في كلام المرأة، بقوله تعالى: (أمَّا القاسطون فكانوا لجهنَّم حَطبًا)، فتعجَّب الحاضرون من هذا التَّأويل.
هذا هو أصل القصَّة كلّها، وسنسلك سبيل الإيجاز والاختصار؛ لنبيِّن هذه القضيَّة من وجوهٍ عدَّةٍ، حتَّى يَثْبتَ للقارئ أنَّ العبارة: (أقرَّ الله عينك) سليمةٌ كلَّ السّلامة.
فأوَّل هذه الوجوه مستفادٌ من الواقع، وهو أنْ تعلم أنَّ (وجوه أصحاب) هارون الرّشيد، هم من كبار العلماء، وكرام الفقهاء، وعمالقة الأدب واللُّغة والشِّعر؛ فهم يعرفون العربيَّة حقَّ المعرفة، وكلُّ ما وردَ في دعاء المرأة البرمكيَّة كلامٌ سليمٌ لا غبار عليه؛ ولذلك لـمَّا سُئلوا، قالوا مع علمهم بالعربيَّة: (ما نراها قالت إلَّا خيرًا)؛ ذلك بأنَّ هذه الأدعية متداولة في أيَّامهم، معروفة بين النَّاس عامَّتهم وخاصَّتهم، بلا مؤاخذة ولا تأويل.
والوجه الثّاني: أنَّ كلام هارون الرّشيد لا يدخل إلَّا في باب (الطّرائف والنَّوادر)؛ ولذلك وردت الحكاية في الكتب التي تهتمّ بهذه الظَّواهر الأدبيَّة، ككتاب: (المستطرف في كلّ فنٍّ مستظرفٍ)، وكتاب: (ثمرات الأوراق في المحاضرات). وفي ردِّ هارون على المرأة دلالةٌ على سعة علمه بالعربيَّة، وعلى زكانته وفطنته، وعلى براعته في التَّأويل. والخلاف بين هارون الرّشيد والبرامكة خلاف معروف أسفر عن القبض والقتل والسّجن، وهذه المرأة كانت من آل برمك أعداء هارون؛ وقد سلكتْ معه طريقة التَّورية في التّعبير، فأتت بكلامٍ بعيدُه الخفيّ هو المقصود، وقريبُه الجليُّ غير مقصود؛ فلذلك أوَّلَ كلامها هذا التَّأويل، لا على أنَّه أصل المعنى، ولكن لمكان العداوة بينه وبين البرامكة، ولعلمه بأنَّ امرأةً برمكيَّةً منكوبةً لن تدعو له بالخير، وهي من طائفةٍ قد قُتل رجالها، وأُخذتْ أموالها، وسُلب نوالُها؛ ولذلك قال الرّاوي: (فتعجَّب الحاضرون من هذا التَّأويل)؛ وما ذلك إلَّا لأنَّه ليس من معهود كلامهم في الخطاب والحديث.
ويجب أن تعلم أنَّ من دعاء المرأة لهارون: (فرَّحك بما آتاك، وأتمَّ سعدك)، فهل نفسِّر التَّفريح أو الإفراح في الدّعاء بالبطر دائمًا، ونؤوِّلُ الدُّعاء بإتمام السّعادة بنقصانها أبدًا؟ كلَّا! فإذا كان هذا ممتنعًا، فإنَّ تفسير قول القائل في الدُّعاء: (أقرّ الله عينك) بالعمى دائمًا ممتنعٌ كلَّ الامتناع؛ لأنَّه جاء مقرونًا بهذه العبارات في كلام المرأة البرمكيَّة.
وآخر الوجوه: هو ما تشهد به المعاجم العربيَّة كلُّها، ونأخذ منها خلاصة ما ورد في لسان العرب، وهي: (وأَقَرَّ اللهُ عينَه وَبِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: أَعطاه حَتَّى تَقَرَّ فَلَا تَطْمَحَ إِلى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَيُقَالُ: حَتَّى تَبْرُدَ وَلَا تَسْخَنَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَّت عينُه مأْخوذ مِنَ القَرُور، وَهُوَ الدَّمْعُ الْبَارِدُ يَخْرُجُ مَعَ الْفَرَحِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ القَرارِ، وَهُوَ الهُدُوءُ، وَقَالَ الأَصمعي: أَبرد اللهُ دَمْعَتَه لأَن دَمْعَة السُّرُورِ بَارِدَةٌ. وأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ: مُشْتَقٌّ مِنَ القَرُور، وَهُوَ الْمَاءُ الْبَارِدُ، وَقِيلَ: ‌أَقَرَّ ‌اللهُ عَيْنَكَ أَي صَادَفْتَ مَا يُرْضِيكَ فَتَقَرُّ عَيْنُكَ مِنَ النَّظَرِ إِلى غَيْرِهِ).
فالمعنى، كما ترى، واضح لا لَبس فيه، ولم يختلف في تفسيره أهل اللُّغة إطلاقًا، وأكثرهم من الذين عاصروا هارون الرّشيد، كالأصمعيّ الذي كان من روَّاد مجلسه العامر بالعلماء والأدباء، ولو كان في هذا الكلام: (أقرَّ الله عينَك) معنى لغويٌّ ثابتٌ، يعني سكون العين عن الحركة، وذهاب الإبصار عنها، لذكره الأصمعيُّ، أو غيرُه من علماء اللُّغة، ولكنَّ ذلك لم يُؤثَر عن أحدٍ منهم، فبقيت العبارة على أصل دلالتها صحيحة فصيحة، لا تجوز تخطئتُها، والله أعلم.

كاتب وباحث من غينيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى