بقلم فاضل غِي
لست أدري يا رفيق الدرب وزميل القلم الأستاذ منصور كيف أرثيك ..! وقد ملأ الحزن على رحيلك المفاجئ جنبات نفسي ، كنت من أقرب الأصدقاء إلى روحي وأقربهم إلى قلبي لألفة المزاوجة والمشاركة في الميول والأذواق بيني وبينك .. تعارفنا فور عودتك من رحلة الدراسة بالقاهرة في بداية الثمانينات ، وسرعان ما توطدت علاقتنا التي ظلت مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير المشترك ، وبناء على الثقة التي كانت تزين صداقتنا ،اخترتني كخاطب نيابة عنك لما أقبلت على الزواج من أم البشير شريكة حياتك الوفية والمثالية السيدة ” ندي بجان ” حفظها الله وثبتها بعدك ..
أيها الراحل العزيز والغالي ، يابن أمي منصور كما كنت تفضل أن تناديني ، لم تقض عمرك في فراغ أبدا ، بل كنت رجلا متمسكا بمبادئ الصدق والصراحة والجدية في كل أعمالك ومعاملاتك ، وكنت أستاذا متميزا تمتلك ناصية لغة الضاد بقدرات العالية ، وكنت ضالعا في أسرار البلاغة والمعاني والبيان ، وقد تخرجت على يدك أجيال من حملة الثقافة الإسلامية والعربية من دكاترة بلادنا وعلمائها وفي ذلك شرف ما بعده شرف .
ترجّلت يا فارس الحرف…
وسكتَ اللسانُ الذي كان يُحيي الضاد فينا.
رحلت أيها الصديق والأنيس واللبيب بعد أن كرّست عمرك محراباً للعربية،
تعلّم النحو فينهض المعنى ، وتشرح الصرف فتستقيم الموازين ،
وتلقي على طلابك الشعر فتتأثر القلوب بجمال الأداء .
كنت يا صديقي منصور بحراً من العلم، متواضع الموج ، وكنت جبلاً من المهابة، ليّن الجانب.
إذا تكلّمت أفدت وكفيت ، وإذا ابتسمت أمام تلاميذك ذابت هيبةُ الأستاذ في حنان الأب ، تشجع أبناءك الطلاب وترسم لهم طريق المستقبل والنجاح والتفوق
علّمت يا فقيد العلم والأدب الأجيال لا لتملأ دفاترهم بالمعلومات فحسب ، بل لتملأ أرواحهم بالأخلاق والآداب ،
وتغرس فيهم حب اللغة كما يُغرس الباوباب في أرض السنغال.
اليوم يا صديقي خلا الكرسي، وتوقف رنين الطبشور،
وصمتت قاعات الدروس التي كان صوتك فيها يدوّي من فصاحة كما يدوّي صوت الحصري وهو يرتل آيات الذكر الحكيم ،
لكنّ تلاميذك كُثر… وفي كل تلميذٍ صدقةٌ جارية لك،
وفي كل درس من العلم حفظوه دعاءٌ يصعد لروحك ..
أخي الحبيب الأستاذ منصور لا أذكر تاريخ آخر دمعة سقطت من عيني ، لكنني أمس وأنا أمام جثمانك لألقاء النظرة الأخيرة على وجهك النير البريئ لم أتمالك، بل استسلمت لدموع الحزن تتساقط لكنني قلت لك قبل أن يأخذني الإخوة إلى خارج المشرحة ” عشت عفيفا نبيلا ومتً عفيفا نبيلا تغمدك الغفور الرحيم بواسع رحماته “
اللهم اجعل ما علّم في ميزان حسناته،
واجعل دمعنا عليه شوقاً للقياه في جنات النعيم،
وارفع مقامه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
إنا لله وإنا إليه راجعون.




