Articles

الوقف والزكاة والتمويل الإسلامي المصغر في السنغال: أدوات استراتيجية للتنمية التضامنية في إطار رؤية «السنغال 2050«

أحمد سعيد جوب

يشهد السنغال في الفترة تحولات كبيرة في كيفية تعاطيه لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بعد إطلاق رؤية «السنغال 2050» التي تمثل المرجعية الاستراتيجية الجديدة للدولة لبناء اقتصاد وطني أكثر سيادة وعدالة واستدامة. وتقوم هذه الرؤية على جملة من المرتكزات الأساسية، من بينها تعزيز التنمية البشرية، وتحقيق الإدماج الاقتصادي، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتعبئة الموارد الوطنية، إلى جانب ترسيخ الحوكمة الرشيدة والسيادة الاقتصادية.
في سياق هذا التحول، برز اهتمام متزايد بأدوات الاقتصاد الإسلامي ذات الطابع الاجتماعي، وعلى رأسها الوقف والزكاة والتمويل الإسلامي المصغر، باعتبارها آليات قادرة على الإسهام في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، خاصة فيما يتعلق بمحاربة الفقر، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وتوسيع دائرة الشمول المالي، ودعم الفئات الهشة التي ظلت لعقود خارج الاستفادة الكاملة من السياسات الاقتصادية التقليدية.
ولهذا التوجه الجديد صلة وثيقة بالخصوصية الدينية والاجتماعية للمجتمع السنغالي، الذي يتميز بعمق مرجعيته الإسلامية وقوة ثقافة التكافل والتضامن داخل بنيته الاجتماعية، الأمر الذي يفسر الحضور المتزايد للخطاب الرسمي الداعي إلى إدماج أدوات التمويل الإسلامي ضمن السياسات العمومية للدولة.
الوقف في صلب التحول التنموي الجديد
شكّل اعتماد القانون رقم 2015-11 المتعلق بالوقف، وإنشاء الهيئة العليا للوقف في السنغال، محطة فارقة في طريق تقنين مؤسسة الوقف وإدماجها ضمن أدوات التنمية الوطنية. جاء هذا التوجه في وقت بدأت فيه الدولة تبحث عن صيغ تمويل مبتكرة ومستدامة قادرة على دعم المشاريع الاجتماعية والتنموية دون زيادة الضغط على الميزانية العامة. وأصبح شأن الوقف حاضرا في الخطاب الرسمي السنغالي. من ذلك –مثلا- تصريح وزير التربية الوطنية لوكالة الأخبار السنغالية (APS) بأن «الوقف ينسجم بصورة مباشرة مع التوجهات الاستراتيجية لرؤية السنغال 2050»، معتبراً أنه يمثل إحدى أهم أدوات التمويل التضامني القادرة على دعم التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
وتبرز أهمية الوقف في السياق السنغالي من خلال قدرته على تعبئة الموارد المحلية وتوجيهها إلى دعم الفئات الأشد احتياجا، بتوفير ضروريات الحياة الكريمة من جهة، وتمويل الأنشطة المدرة للدخل من جهة أخرى.
وقد تم في الفترة الأخيرة إطلاق مشاريع وقفية جديدة، من بينها مشروع «وقف الدارات» الذي تم وضع حجر أساسه تحت إشراف رئيس الوزراء السنغالي، باعتباره نموذجاً جديداً للتمويل الاجتماعي القائم على الاستدامة وإعادة توزيع العائدات لصالح الفئات المستهدفة من المجتمع.
الزكاة: نحو الانتقال من المبادرات الفردية إلى المؤسسة الوطنية
إلى جانب الوقف، يشهد موضوع الزكاة اهتماماً متزايداً داخل الأوساط الرسمية والأكاديمية والدينية في السنغال، خاصة مع تنامي الدعوات إلى إنشاء إطار تشريعي ومؤسساتي خاص بتنظيم الزكاة.
ورغم أن الزكاة حاضرة بقوة في المجتمع السنغالي من خلال المبادرات الفردية والتقليدية، فإن غياب هيئة وطنية متخصصة حال دون الاستفادة الكاملة من إمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، تتجه الدولة حالياً إلى البحث في صيغة قانونية وتنظيمية تسمح بإحداث هيئة تعنى بالزكاة، تتولى جمع الموارد وتوزيعها وفق معايير واضحة وشفافة.
وتكمن أهمية الزكاة في كونها –إضافة إلى صفتها التعبدية- أداة ذات فاعلية فائقة في إعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من اتساع الفوارق الاقتصادية وارتفاع معدلات الهشاشة.
وفي الحالة السنغالية، يمكن للزكاة أن تؤدي دوراً محورياً في مختلف المجالات، مثل دعم الأسر الفقيرة، وتمويل الرعاية الصحية والتعليم، ومساعدة الشباب العاطلين، ودعم النساء في الأنشطة المدرة للدخل، وتمويل مشاريع الإدماج الاقتصادي.
كما أن الطابع المؤسسي للزكاة من شأنه أن يعزز الثقة لدى المواطنين والمتبرعين، ويضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الاجتماعية والتنموية بصورة أكثر فعالية.
التمويل الإسلامي المصغر وآفاق الإدماج الاقتصادي
وفي إطار سياسة تعزيز الشمول المالي، تم مؤخراً إنشاء صندوق تنمية التمويل الإسلامي المصغر، الذي يهدف إلى توفير خدمات مالية متوافقة مع مبادئ التمويل الإسلامي لفائدة الفئات التي لا تصلها عادة خدمات البنوك التقليدية، بتوفير ثلاثمئة مليار فرنك سيفا، وتمويل ثلاثمئة مشروع اقتصادي، وذلك خلال خمس سنوات.
ويعكس هذا المشروع توجهاً رسمياً نحو تطوير قطاع التمويل الإسلامي باعتباره جزءاً من استراتيجية السيادة الاقتصادية والتنمية الشاملة التي تتبناها الدولة في إطار «السنغال 2050».
ويستهدف صندوق التمويل الإسلامي المصغر بصورة أساسية الفئات الهشة اقتصاديا، من سكان المناطق الريفية، والنساء، والشباب، والحرفيين، وصغار التجار، وأصحاب المشاريع الصغيرة.
وتبرز أهمية هذه الآلية في كونها توفر بديلاً عن التمويلات التقليدية القائمة على الفوائد المرتفعة، كما تتيح فرصاً أكبر للفئات محدودة الدخل للحصول على التمويل اللازم لإطلاق مشاريع اقتصادية صغيرة.
ومن المتوقع أن يساهم هذا الصندوق في تحقيق نتائج إيجابية في خلق فرص العمل، وتقليص معدلات البطالة، وتنشيط الاقتصاد المحلي، ومحاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية.
نحو بناء منظومة وطنية للتنمية التضامنية
إن أهمية الوقف والزكاة والتمويل الإسلامي المصغر لا تكمن فقط في فعالية كل أداة على حدة، بل في إمكانية تكاملها ضمن رؤية وطنية موحدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
فالوقف يمكن أن يوفر الأصول والبنية التحتية المستدامة، بينما تؤدي الزكاة وظيفة الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، في حين يسمح التمويل الإسلامي المصغر بتحويل الفئات المستفيدة من المساعدات إلى فاعلين اقتصاديين منتجين.
خاتمة
أظهرت التحولات الجارية في السنغال عن توجه رسمي جاد نحو إعادة توظيف أدوات الاقتصاد الإسلامي ضمن السياسات العمومية للدولة، ليس باعتبارها مجرد مؤسسات دينية أو خيرية، وإنما بوصفها آليات استراتيجية للتنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي.
إلا أن نجاح هذا المسار مرهون بتحقق جملة من الشروط، تتمثل في تطوير الأطر القانونية والتنظيمية، وإصلاح المنظومة العقارية والضريبية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتكوين الكفاءات المتخصصة، وتحقيق التنسيق المؤسسي بين مختلف الهيئات المعنية.
فإذا تحقق هذا التكامل، فعندئذ يمكن للوقف والزكاة والتمويل الإسلامي المصغر أن تشكل معاً إحدى أهم الركائز الاجتماعية والاقتصادية في تحقيق أهداف «السنغال 2050»، وبناء نموذج تنموي وطني أكثر عدالة وشمولاً واستقلالية.

                       أستاذ اللغة العربية في           زغنشور
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أعتقد أن التركيز على الوقف والزكاة والتمويل الإسلامي المصغر هو اتجاه مثير للاهتمام بشكل خاص في سياق التنمية في السنغال، خاصة مع هذه الرؤية الطموحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى