بقلم: د. محمد حبيب ديالو
السفير السابق لجمهورية السنغال
لدى دولة قطر
ودّعت دولة قطر، صبيحة يوم الأحد 13 يوليو 2026م، قامةً تاريخية من قامات القيادة والحكمة، ورجلاً استثنائياً وهب عمره لخدمة وطنه، وجعل من رفعة بلاده رسالته الأسمى ورؤيته الوطنية الخالدة. ننعى اليوم قائدًا أسهمت إنجازاته المشهودة في بناء الدولة الحديثة، وترسيخ دعائم التنمية المستدامة، وإطلاق المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي شكلت أساس النهضة الشاملة التي شهدتها قطر في مختلف المجالات، وصنعت لها مكانةً رفيعةً ومؤثرة بين الأمم، لتصبح نموذجاً يُحتذى به في الطموح والإنجاز.
إن رحيل المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني — تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه — عن عمر ناهز 74 عاماً، يمثل خسارة للامة بأسرها. فقد قاد سموه سدة الحكم في دولة قطر أميراً لها خلال الفترة من 1995 إلى 2013، وانطلقت في عهده نهضة مباركة شملت الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والإعلامية، والتعليمية، والثقافية، والدبلوماسية.
طفرة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة
لقد شهدت دولة قطر في عهد الأمير الوالد قفزات تنموية وثقها التاريخ بالأرقام:
الناتج المحلي الإجمالي: تضاعف في عهده أكثر من 24 مرة.
نصيب الفرد من الناتج المحلي: ارتفع بنحو ست مرات.
قطاع الهيدروكربون: قفزت القيمة المضافة الإجمالية فيه من 3.5 مليارات دولار إلى 110.8 مليار دولار أمريكي.
الطاقة والغاز: وصل إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 77 مليون طن سنوياً، لتتربع قطر على عرش كبرى الدول المصدرة للغاز عالمياً.
جهاز قطر للاستثمار: بلغت أصوله في عهده 600 مليار دولار أمريكي، ليصبح أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم.
وكان سموه يؤمن إيماناً راسخاً بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان؛ لذا عزز الاستثمار في قطاعات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والخدمات، بالتوازي مع بناء مؤسسات قوية أسهمت في ترسيخ مكانة الدولة وتحقيق الاستدامة تماشياً مع “رؤية قطر الوطنية 2030”.
دبلوماسية السلام وبناء الشراكات:
على الصعيد الخارجي، قدم — رحمه الله — إسهامات بارزة أعادت صياغة مكانة دولة قطر إقليمياً ودولياً، عبر انتهاج سياسة خارجية نشطة جعلت من الدوحة لاعباً مؤثراً وصانعاً للسلام، بالوساطة بين أطراف النزاع، وتقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السلمية، فضلاً عن بناء علاقات متوازنة مع مختلف دول العالم. وشهدت قطر في عهده استضافة مؤتمرات وفعاليات عالمية كبرى، وتوسيع شبكة الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يحمي المصالح الاستراتيجية للدولة.
واليوم، يرى العالم أجمع كيف يحمل الراية بحنكة وحكمة واقتدار، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، محققاً نجاحات وإنجازات وثابة على خطى الأمير الوالد، زاده الله توفيقاً وسداداً.
شهادة من واقع الوفاء: خمسة عقود من العلاقات الأخوية:
لقد شرفتُ بأن أكون شاهداً عياناً على هذه النقلة النوعية الهائلة؛ إذ كنتُ ممن وُفقوا للدراسة في هذا البلد العزيز في منتصف الثمانينات بموجب منحة دراسية قطرية وبابتعاث من بلدي السنغال. عشتُ في قطر آنذاك خمس سنوات، نَهِلتُ فيها من مَعينها الصافي، وكان سمو الأمير الوالد — حينها — ولياً للعهد، حيث حظينا برعاية كريمة طيلة سنوات دراستنا.
وقدّر الله لي أن أعود إلى دولة قطر سفيراً فوق العادة ومفوضاً لجمهورية السنغال، وذلك بعد نحو 30 عاماً من مغادرتها، لتمتد فترة خدمتي الدبلوماسية من أغسطس 2021 إلى أغسطس 2024م. وخلال هذه الفترة، وجدتُ دولةً أخرى تضج بالنهضة والعمران على كافة الصُّعُد، ملموساً فيها سلاسة التعامل الدبلوماسي، والحرص المشترك على تعزيز العلاقات الثنائية بين بلدينا الصديقين، حيث أثمرت الجهود إنجاز العديد من الملفات الحيوية، وشهدنا النجاح الباهر لمشاركة السنغال في بطولة كأس العالم (قطر 2022)، ومعرض إكسبو الدوحة للبستنة، وغيرها من الفعاليات الكبرى، بحضور الرئيس السنغالي السابق ماكي صال.
إن العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين السنغال وقطر، والتي تمتد جذورها منذ عام 1974م وشهدت نمواً ملحوظاً وصولاً لتبادل افتتاح السفارات عامي 1999 و2001م، ستبقى مدونة بمداد من التقدير لمواقف سمو الأمير الوالد؛ إذ زار سموه السنغال مرتين:
- ديسمبر 1991م: خلال القمة الإسلامية السادسة، عندما كان سموه ولياً للعهد في عهد الرئيس السنغالي الأسبق عبدو ضيوف.
- مارس 2008م: خلال القمة الإسلامية الحادية عشرة، حيث شارك سموه شخصياً بصفته أميراً لدولة قطر، تأكيداً على تقديره للسنغال، وتميزاً عن بقية التمثيل الخليجي آنذاك، وهو موقف يذكره له الشعب السنغالي بكل عرفان في عهد الرئيس الأسبق عبد الله واد.
3- تعزية ومواساة ;
ختاماً، أتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى سعادة السفير يوسف السادة، سفير دولة قطر لدى جمهورية السنغال، وإلى الشعب القطري العزيز، في هذا المصاب الجلل برحيل المغفور له بإذن الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وأن يلهم أسرة آل ثاني والشعب القطري العزيز جميل الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




