سرنج امبي درامي
الاحتفالات بمولد النبي الشريف المشهور ب” غامو ” لدي السنغاليين ، مثل أي مظهر ديني آخر، تتميّز بكونها تُظهر إلى أي مدى يمتلك السنغال إسلامًا تحمله رؤية فكرية مُحكَمة ، وتدعمهُ إنتاجات فكرية وأدبية ذات جودة عالية . ومن حسن الطالع أنه أصبحنا نلاحظ، على نحو متزايد، أن الندوات والملتقيات وسائر الأنشطة العلمية المنظمة على هامش هذه اللقاءات في تيواوان، وكاولاك، وطوبى، تسير في اتجاه إعادة زيارة هذا التراث الفكري، من خلال فتح إطار ملائم للمتخصصين والجامعيين من مختلف المجالات من أجل دراسة هذه الأعمال واستخلاص الدروس منها لمواجهة التحديات المعاصرة.
وهذه المقاربة ذات وجاهة مثبتة، ذلك أن الاقتصار على الاعتبارات الدينية المحضة، قد يساهم، بطريقة ما، في جعل هذه الملحمة الشعرية والأدبية والفكرية غير مرئية، إن لم نقل إنه يرتكب جريمة في حقها. ومن المهم، من جميع الوجوه، رفع الستار عن كون العلماء السنغاليين مساهمين في دينامية تداول الثقافة والمعارف الإسلامية. فالتعليم، في الواقع، يحتل مكانة عالية في جميع المجتمعات. كذلك الأمر في البيئات المسلمة كلها ، حيث يمنح الإسلام العلم والعالِم مكانة مرموقة تحفّها التبجيل. وقد دفع العلم، بما له من قيمة كونية ومكانة سامية في المجتمع، المسلمين، على سبيل المثال، إلى إنشاء مؤسسات تعليمية مخصصة للتكوين الأخلاقي والديني والفكري للشباب. ويبدو أن إفريقيا جنوب الصحراء كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعلم والالتزام العريقة بتعاليم الإسلام، من حيث إن الطبقة العليا (التجار، والقافليون، والملوك) كانت أول من اعتنقت الدين الإسلامي منذ وصوله إلى بلاد السود، قبل أن ينتشر في أوساط الجماهير (Hesseling: 1985).
الإنتاج الفكري في السنغال عبر العصور:
يبدو أن الباحث الجامعي هنري سِين(Henri Sène) في أطروحته للدكتوراه في علوم المعلومات (1982)، يؤكد الحيوية الفكرية والعلاقات الثقافية التي كانت هذه النخبة المثقفة جنوب الصحراء تقيمها مع العالم الخارجي، ولا سيما شمال إفريقيا، وما وراء ذلك، إسبانيا الإسلامية، المعروفة عمومًا بالأندلس. ففي إفريقيا جنوب الصحراء، التي ظلت طويلًا تُعد فضاءً للشفاهية وخاليًا من أي تجلٍّ فكري، كانت اللغة العربية نوعًا من لغة الثقافة، وفي قدر معيّن أداةً جامعة (fédératrice). وإذا كان صحيحًا أن الكتابة والكتاب قد ظلا محدودين على أقلية من المتعلمين، فإنه يظل صحيحًا أيضًا أنه كانت هناك مؤلفات، وبالتالي جمهور وحياة أدبية وعلمية في الأوساط بغرب إفريقيا منذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وقد بيّن هنري سِين ذلك ببلاغة، من خلال شخصيات روحية وفكرية من طراز الحاج عمر الفوتي تال، والحاج ماجُورْ غُومْبَا سيسي من سان لويس (المتوفى سنة 1901)، والقاضي مجخت كلا (1835-1902)، والشيخ يُورُ بَالْ (المتوفى سنة 1917). وينطبق الأمر نفسه على محمد، المعروف بدودو سيك، ووالده المقداد، اللذيْن كان دورهما حاسمًا بوصفهما مترجمين ووسطاء في الدبلوماسية الاستعمارية.
وقد تلت هذه الجيلَ في هذا الميدان الفكري نخبٌ أخرى، على غرار الحاج مالك سي (1855-1922)، والشيخ أحمد بامبا (1853-1927)، ويونس ذو النون لي (1877-1927)، و العلامة الشيخ موسى كامارا (1864-1943). ثم واصل الأبناء والتلاميذ من بعدهم حمل المشعل، ومنهم على سبيل المثال الحاج أحمد دِيم، وشيخ الإسلام الحاج إبراهيم نياس وأخيه الخليفة محمد نياس، سيجي أي بكر سي، والحاج منصور سي، والحاج عبد العزيز سي، ومحمد البشير امباكي، وسيرين علي ساتُ سيسي الجاملي والأستاذ أحمد نجَايْ في بشرى قرب كولخْ والشيخ عباس صَالْ التجاني. والقائمة طويلة . وهذا الإرث الثقافي العربي الإسلامي ما فتئ يتواصل ويتجدد من جيل إلى جيل في اهتماماته كما في تعبيراته الأسلوبية. فالكتّاب السنغاليون باللغة العربية كتبوا في مجالات متنوعة ودقيقة، مثل التفسير، والعقيدة، والفقه، والتصوف. وعلى الرغم من أن العلوم الدينية قد حظيت باهتمام أكبر، فإن العلوم المسماة بدنيوية قد جرى أيضًا استيعابها في هذا الأدب السنغالي المكتوب بالعربية. ويتعلق الأمر خصوصًا بفقه اللغة، والنحو، والعَروض والخطاب، والبلاغة، والأدب، والمنطق،. ويضيف هنري سِين (1982) إلى ذلك الطب، والفلك، والحساب، مستشهدًا بعلماء مثل الشيخ محمد الهادي توري والشيخ امباكي بوسو. وقد ألّف هذان العالمان مؤلفات مرجعية في هذه التخصصات العلمية. ويبدو أن إتقان هذه المواد العلمية والأدبية كانت، إلى حد ما، أمرًا لا غنى عنه من أجل ممارسةٍ أفضل للإسلام، بالنظر إلى ضرورة الصلاة في وقتها وفي الاتجاه الصحيح نحو القبلة، فضلًا عن التقدير المناسب للزكاة، وممارسة التصوف الإسلامي، أساسًا من خلال علم الأعداد..
وكيف حصل هذ التهميش ؟
استنادا إلى أعمال الباحث في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) يوسف سَانْغارِي (2025)، فإن الإسلام الإفريقي الذي كثيرًا ما وُضع في مقابل نظيره العربي قد عبر ثلاث سرديات رئيسية. أولها سردية استعمارية موسومة بإيديولوجيات العصر مثل العنصرة والهيمنة الثقافية. وقدمت هذه الرؤية الاستعمارية الإسلام الأسود أو الإفريقي بوصفه أقل العريقة، وأكثر شعبوية، وأقل علمًا. ومن هنا نشأ مفهوم الإسلام الأسود الذي أشاعه المستشرق الفرنسي فنسان مونتاي (Monteil: 1983). وكانت الفكرة تقوم على احتواء هذا الإسلام لاتصاله بالنزعات مثل القومية العربية، خاصة ابتداءً من الحرب العالمية الثانية وظهور شخصيات بارزة في العالم العربي مثل جمال عبد الناصر في مصر، في صلة بمسار إنهاء الاستعمار. ويتحدث يوسف سانغاري كذلك عن سردية متمركزة عربيًا، اتسمت بسعي العرب إلى التقليل من شأن الإسلام الإفريقي بقولهم إن الإسلام الحقيقي جاء من عندهم. أما الرؤية الثالثة، بحسب الباحث المالي نفسه، فتنبثق من سردية إفريقية متدهورة وذاتية الانتقاص، ناتجة عن السلفية ومدعومة بعلماء أفارقة موسومين بطابع الإصلاحية بعد تكوينهم في جامعات أجنبية مثل جامعات المملكة العربية السعودية، ولا سيما الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي أُسست في مطلع ستينيات القرن العشرين.
وعند عودتهم، كان معظم هؤلاء الطلبة يعتقدون أن الإسلام الإفريقي الممارَس عبر الأجيال إسلام غير نقي، لأنه مطبوع بكثير من البدع. وإن قراءة هذه التصورات المختلفة حول الإسلام الأسود تذكّر بكل وجاهة تثمين الإمكانات العلمية والفكرية للمخطوطات العربية الإسلامية والعجمية التي تكشف عن إسلام مفكر فيه، منظم، رغم ما يواجهه من تحديات وحدود. وإن الدراسة العلمية لهذه المخطوطات، عبر التحقيق النقدي والترجمة، كما ينبغي لهذه المقاربة الفكرية أن تساعد بلدًا مثل السنغال على إدراج تراثه العربي الإسلامي ضمن شبكات المعرفة.
رهانات وآفاق الاعتراف المؤسسي بالتراث العربي الإسلامي
في ضوء هذا التملك للغة العربية وللحضارة العربية الإسلامية، ليس أمام السنغال ما هو أفضل من تثمين كل هذا الرصيد الفكري عبر إدماجه في دبلوماسيته الدينية والثقافية، مع إبراز إسهام العلماء السنغاليين في نشأة الفكر الإسلامي. وعلى خلفية ذلك، تأتي إعادة الاعتبار للعربية وإبراز مساهمتها في حفظ المعارف وإنتاجها وتداولها في السنغال. وعلى الوجه الآخر من الصورة، ينبغي للعالم العربي والإسلامي أيضًا أن يفتح جامعاته ومراكزه البحثية أكثر فأكثر من أجل التعرّف على سائر فضاءات الإسلام، بدل الاستمرار في النظر إلى سكان إفريقيا جنوب الصحراء بوصفهم مستهلكين سلبيين لا مساهمين في الفكر العربي الإسلامي. ولا سيما أن الكتابة العربية قد أحدثت، دون شك، في إفريقيا جنوب الصحراء ثورة اجتماعية واقتصادية وفكرية وروحية. ولفترة طويلة، ووفقًا لـ Gerti Hesseling ، كانت معرفة اللغة العربية تتيح الوصول إلى أرفع المناصب في السلطات والزعامات المحلية (القاضي أو الحاكم المسلم، والإمام، والمعلم، والمترجم، والدبلوماسي، والمستشار). وفي كتاب جماعي عن العلم الإسلامي في غرب إفريقيا أشرف عليه سنة 2021، يروي الأستاذ عثمان كَانْ حادثة تتعلق بالعالم السنغالي البارزالشيخ إبراهيم نياس (1900-1975)، الذي أدهشت موسوعيته أحد العلماء المصريين الذي التقاه بمكة. وبحسب هذا الأخير، فإن تمكن شخص من إفريقيا جنوب الصحراء من تحصيل مثل هذه الموسوعية الإسلامية من غير المرور بجامعة الأزهر العريقة كان أشبه بالمعجزة. وعثمان كان نفسه يتأسّف لكون المتخصصين يفضّلون المسار السياسي نحو خمسة عشر عامًا فقط للحاج عمر تال على مسيرته الفكرية التي امتدت قرابة خمسين عامًا. كما يطوّر الدكتور جيم درامي (2017) وجهة نظر مماثلة بخصوص الإمام مابا جاخو باهْ. ووفقًا له، لا ينبغي أن يحجب الجانب الجهادي الذي دام أقل من سبع سنوات، أو يمحو تمامًا وضعيته الفكرية بوصفه معلمًا، وشيخ مدرسة ومكوِّنًا، على مدى نحو ثلاثين عامًا.
خاتمة
كان هذا المقال يطمح إلى اقتراح إعادة قراءة للعلاقات بين المعرفة الإسلامية، والإنتاج الفكري، والدبلوماسية الثقافية والدينية انطلاقًا من الحالة السنغالية. وعلى خلاف التصورات التي تختزل الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء، والذي يُقدَّم في الغالب على أنه هامشي، وقليل العلم، يحرص هذا المقال على إعادة تأكيد مكانة إفريقيا بوصفها منتجةً للمعرفة في الفضاء الإسلامي. ومن منظور الأبستمولوجيا، تتموضع هذه الورقة ضمن الرؤية التي ترى أن على السنغال أن ينجز عملًا تركيبيًا يعكس جميع هذه الموروثات التاريخية، مع تكييفها مع مساره الاجتماعي والسياسي والثقافي. إن تثمين المخطوطات الإسلامية (العربية والعجمية) يتيح فرصة كبرى لإبراز علمية الإسلام في السنغال، وبالتالي إعادة التأكيد على أن الإسلام الأسود ليس فولكلوريًا إلى هذا الحد ولا خاليًا من الأرثوذكسية.
صحفي في وكالة الأنباء السنغالية




