مقالات

في ظلال الحروف

من قال إن الطّيور تغنيِّ من أجل السلام؟
الجوارح لا تفعل ذلك على الأقلّ، فهي تولد وتعيشُ قاتلة.
والطيور هي التي علّمت البشر كيف يتعامل مع الموتى، وليس الأسود والنمور..
الحياة حالة حرب على القُبح، حرب من أجلِ استدامة الفطرةِ، حرب من أجلِ الجميعِ حتى يحصلونَ على كسرة خبز وباقة ورد وقصيدة شعر.
وتبلغ الحياةُ ذروةَ هدفِها عند “حرب الإبداع”؛ التي تفتك بالروتينِ وتَمحقُ الأنماط وتُـغوي بوصلةَ الذّوقِ بأمداءٍ لا تحصن.
ولقد بدأ الشعراءُ هذه الحربِ من هضبة نجد وليس من “أيونية” حيثُ “لم تحكم الصدفة” بأنْ يُـغامر “الجيلُ الـهَوْمَرِيُّ” بِنجارةِ سنابك “طروادة”.
هذه حقائق على شكل أدلّة.. لا كهانة وتخمين.
وهكذا أقرِّرُ الحديثَ على طريقتي فأعاقبُ “القرين” بما “أنسيَّ من حلمهِ”.
فلا حقَّ لوشم الخُطى في أن يُخاصمني على الطريق إلى ظلِّي، وبين الظّل وبين وشمِه على أديم الرملِ الأدرد ما تُمليه رتُوقُ الخُطى.. إن الخطى على هذه الرُّبى الذلولةِ للصَّبا لـهي آيةٌ للعائذِ بتميمةِ الكرّ.. وما يزالُ “أمرٌ صبيٌّ” على مرأى الأحلامِ.. إنّما في انسداد الـمَمشى، كما في اتساعه المرتبكِ بين الفجواتِ؛ بين نقاء سباخ الملح وحبَّات النّدى بريقٌ لا ينسب إلى لون لا لوْنَ له، وكلام لا شفاه له، ونغم لا وتر له، ونصيف بلا “مُـتَــنصّــف”..
هناك فرق بين المطاعن وبين الملاعنِ… فأي شاعر يعرِّضُ بشراراتهِ البارقةِ بالخُـفُوتِ! من يفعل لا يعي رقية النجوم البعيدة حتى وصورتها في الماء أسفلَ كما قيلَ.
إنَّ الزمن الذي أدرك حظّه بالأمكنة هو زمنٌ لا يستمع إلى خُــطبة الحفر، ولا يعبأ بأشواك تُـحجم أقدام الهواةِ في حقل الورودِ، ولا يسيل لعابهُ لسنابلِ وشمٍ تزهرُ أو تخفت بجلدِ المارين حبوًا وما أدركوا من مَقام السّنابك ما يدندنُ خَصْـرًا أو يُـوتِّـرُ ظفرًا…
الأمر أيها الواجم تخطئه بقدر مَمشاك، وتغيِّـبه بقدر مرآك.. فلا تروِّضِ رداء القصيدَةِ بالريح.. ومن أدراك؟ الهدهدةُ للشّعرِ ما أمردَ أو تَمرّدَ..
طبائع الناس أحجار ما تأوَّلوا حظوةَ الورد على قميصٍ للدِّم الكذبِ فكثيرٌ من الضّحايا لا يفقد قطرة دم واحدة.. وأكثرُ الـمُكتالينَ لا يذرأ كيلَ بعير للزاجلِ، وعقبى القصائد أن تمدح في القمرِ العابرِ موتاً يحاربُ موتَــه في أنفاسِ الخافتـينَ.
عبثاً يحاولُ ذلك النّهارُ اللّيلكيّ؛ ذلك النّجمُ؛ البرقُ؛ القطرُ أنْ “يــزمّ” خُطاكَ تحت فروتهِ.. ثمَّ لا يجدُ الباذرُ غير قيعانٍ تَـنْطفئُ فيها أقدام الحيارى انطفاءَ الشَّفقِ في الظلام الدّامسِ.
فليحدس روحك المحاربُ، حيث لا منخفض ولا مرتفع يمنعك أن ترى البــبغاء يُحاضر في المقاماتِ والـمُوشّحاتِ، وتسمع للزيتَ رقرقة الماءِ، و”تشهد الكبريت وقد تحوَّل إلى داعية سلام”.
صهْ قَبِــيلاً، ففي مراغةِ الدّائـيِّ أجراس، وفيما أمكن القبضُ عليه من شتاتِ الذاكرةِ لحظاتٌ موضونةٌ بالريْـبةِ لحَرْفٍ اخــتَارَ منذ البداية مُصاهَرةَ المِلحِ.


تنشر كل ثلاثاء في صحيفة “الشعب” الموريتانية (الرسمية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: