أخبار

في ظلال الحروف

المختار السالم

على من لم يكن رائياً ألا ينظر إلى أفقنا.. لأنَّ الرؤيةَ تحددُ بينما تشبهُ الرُّؤيا حُدَودَ الشِّعرِ.
والرَّائِيّ هو ذلك الشاعر والفيلسوفُ والصُّوفيّ، الذي يعرفُ أنَّ وردة الدخانِ لا تتفتح من دون نار، ومع ذلكَ لا يخبِّبُ طقطقة في قصيدَتِهِ ولا يفتحُ نافذةً في صومعتِهِ لترتئيَّ “أفكاراً خَرْجَاءَ”.
ولأنَّ “الرَّائِيّ” الذي لا يستبصرُ “بعينِ الغولِ” الأجم، عايشَ في “الماضي” أشياء بسيطة ومعقدة كالبهجة والفرح، الأسى والحزنِ، فقد تغدو مشاعرهُ حقلاً مهجوراً وإثْماً ممهوراً في قصعةِ الدلالة.
بلى.. ألم يخاطب “التواگُ” صهرَه “يوم الظاية” قائلًا: “خفف الأثر.. فطائرُ الدخانِ لا يحتاجُ إلى ريشِ لكي يُرفرفُ”.
كان “الرَّائِيّ” عندما لا يحظى بإجابَةِ منعشة يمنِّي النفسَ بما ترجو وتأمل، ومثلُ النِّياتِ الحسنةِ في حقولِ المكر مثل الطيور البحرية التي لا تخشى الغرق.
سألني ذات مَرَّة “متى يُشبهُ “الملوِّنُ” ألوانَهُ، فيطفئُ الأشياءَ الخالدة في “مكان دافئ ومُشرق كالقصيدة؟”.
فأجبتهُ على الجزء الذي خَـمَّـنتُ أنهُ لم يطرحه من سؤاله: “ما من مكان فارغ في كأسِ القصيدةِ مهما أخلَّت بالتزاماتِها مع ظاهر من الحقيقةِ، ففي النهاية لا توجد قصيدة كاذبة، فالأدب لا يحتاج إلى الكذبِ لأنَّ المخيّلة تجُـبُّهُ”.
وحدثته أيضا “أذكر أنني كنتُ أدرِّبُ الشُّعراء الرفاقَ على “فنِّ الصَّمتِ والنطقِ” ونحن وراء “الميرِ” في الظلمةِ الحالكِةِ، وتعلمتُ منهم الحدود القصوى لما يوفره شَفَقُ الكلامَ من ضوء، ففي “ذات صباح” جاءني أحدهم بنصٍّ إنشائيٍّ بديعٍ يتنبأ فيهِ بأسماءِ الشَّوارعِ بعد تسعينَ عاماً.. وكان بينها “شارع المجاز”.
ومن ضمنِ ما عقبتُ بهِ أنَّ أدباً بلا قضيةٍ هو “أدبٌ خفيفٌ”.. وقلتُ، يا رفيقي “لماذا تمدح التئام الجرح”! والجُرحُ القابلُ للالتئام ليسَ جُرْحاً، الجُرْحُ الحقيقيُّ هو القابلُ دائما للتمدِّدِ على بساطِ الألمِ الحميدِ، تماماً كما يتسعُ مجرى الينبوعِ بالسيولِ أو يتسبب هطولُ الأمطارِ بفتقٍ في خاصرةِ النهر التي تنسل منعطفاتٍ وتفريعاتٍ.
ثمَّ أخذتْـني روحُ الغفوةِ إلى زمنٍ المَرَائِي الأولى؛ زمن يتحدى لبانَ المرضعتين: الريح مرضعة الرملِ والشَّائعة مُرضعة الشيطانِ.. وإذا بي أصحو وأنا أزمزمُ مِزْمَاري على وقع التغريبةِ.. “.. فهل “الشعر سلوكٌ فطريٌّ في الإنسان؟”. حذارِ.. إنَّ على العَوسَجَةِ طائر مُكّاء يزعَمُ أنهُ تَهَدْهَـدَ في عُشِّ الأنثى ذاتِ الإبصارِ المقدسِ، وفي خلاصةٍ ناشفةٍ ما من حقيقةِ غــيْـمٍ قادرة على إرواءِ زهْرَةِ المجازِ”.
وقلتُ “حذارِ فقد اختلطَ دمْعُ الندى بكُحلِ الكاهنةِ، التي تنفشُ رِيشَ الغاياتِ الواهنةِ على جناحِ الأسبابِ المداهنةِ، و”الرَّائِيُّ” لم “يعقدْ أكمامَه” ولم “يقلمْ أظافِرَهُ” لعلْمِهِ أنَّ الحقيقةَ نسبيةٌ غالباً في قناعاتنا وأقنعتنا.
في مدائنِ الشعرِ التي ترتجف بأناسٍ يمتهنونَ ترقيصَ الأرصفة بخُطى تَخْضَرُّ عثراتٍ، سيحدثُ “الرَّائِيُّ” عن ديار أنس، ومنازل رمس بها تحجرت مغنيات الصحراءِ وهنَّ ينشدنَ الأبدَ في فرادتِهِ الفَــذَّةِ ولم يَـردنَ قطّ إسقاطَ الشَّجَرةَ بالوَتَمَةِ ولا بالتمتمةِ.


تنشر كل ثلاثاء في صحيفة “الشعب” الموريتانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى