فاضل غِي
في المشهد السياسي السنغالي، غالباً ما
يفرض من يحدد النبرة إيقاع الأحداث على الجميع؛ فيكتفي الآخرون بالمتابعة ورد الفعل، لينتهي بهم المطاف أحياناً بفقدان الرؤية تجاه ما هو جوهري. ويبدو اليوم أن عثمان سونكو يتقن هذه الآلية؛ فمن خلال تصريحاته وإطلالاته الإعلامية، يسيطر على الساحة ويملي جدول الأعمال، ويجر خصومه إلى معركة كلامية يصعب على المواطن السنغالي العادي إدراك جدواها في حياته اليومية.
فبينما تتوالى الخطابات، يظل المواطن البسيط يكافح من أجل تدبير أمور معيشته وتأمين احتياجاته الأساسية ، هو لا يبحث عن مباراة في البلاغة، ولا عن حرب إعلامية؛ بل ينتظر إجابات وحلولاً ونتائج ملموسة. إنه يريد أن يلمس أثر العمل الحكومي في قفته اليومية، وفي نفقاته المعتادة، وفي آفاق مستقبله.
وهنا تكمن المصيدة الحقيقية المنصوبة للحكومة: الانشغال بالرد على ردود الأفعال بدلاً من إعطاء الأولوية للفعل والإنجاز. فمن خلال السعي الدائم للرد على كل تصريح، وتصحيح كل قول، والتعقيب على كل هجوم لفظي، تخاطر السلطة بالوقوع في فخ أجندة لا تتوافق بالضرورة مع الأولويات الوطنية العاجلة.
وقد يساهم المؤتمر الصحفي الذي أعلنت عنه الحكومة -بمشاركة الأمين لو- في تعزيز هذه الحلقة المفرغة. فمحاولة الرد على الكلام بكلامٍ مماثل لا تؤدي إلا إلى زيادة الضجيج على حساب الحصيلة الفعلية. والحقيقة أن الحكم لا يعني التعليق اللانهائي على تصريحات الآخرين، بل يعني العمل وتحقيق النتائج وتحمل المسؤولية أمام أبناء الشعب .
إن السنغال لا تحتاج إلى منافسة في الخطابات، بل تحتاج إلى العمل، والمنهجية، والانسجام، والنتائج.
العمل، ثم العمل، ثم المزيد من العمل! أما ما عدا ذلك، فلا يعدو كونه “فلكلوراً” سياسياً أو جدلا عقيما لا طائل من ورائه .
لقد سئم السنغاليون. ليس لديهم الوقت ولا الإمكانيات ليسمحوا لأنفسهم برفاهية الغرق في متاهات كلامية لا تنتهي. فالأولويات تكمن في مكان آخر: في الصعوبات اليومية، وتكاليف المعيشة، والتطلعات الاجتماعية، والوعود التي آن لها أن تتحول أخيراً إلى أفعال.
ولكي يتميز المشهد بتغليب الأفعال على الأقوال لا بد من جلسة المواجهة بين رئيس الدولة ورئيس البرلمان لوضع النقاط على الحروف ، بدل هذا الجدل البيزنطي بالوكالة .. جلسة ينسيان فيها المعارك السياسية والحزبية، ويركزان بإخلاص ووطنية على احتياجات ومصالح الشعب.




