أخبار

التّربية والتّعليم في ظلّ الاحتجاج الحالي في السّنغال دراسة تاريخيّة وموضوعيّة .

 
بوبكر السنوسي
 
ظهرتْ فكرةُ تربية النّشئِ في الحضارات القديمة من أجل محافظةِ أفرادها على تقاليدها ومعاييرها الأساسيّة ، وأمام ضمور متطلّبات الحياة تطوّرت التّربية وبأساليب جديدة بهدف تحديد المسار الفكريّ والمعرفيّ لأفرادِها ، وإدارة شئونهم بشكلٍ يحمي هُوّيتهُم من الضَّياعِ والذّوبانِ .
 
   وضمور ظاهرةِ مسخ الهويّة الذي تمارسه السياسات الاستعماريّة اللغويّة والتّراثيّة على حساب المجتمعات الأفريقيّة وغيرها ، واجه قطاعُها التّربويّ تحدّياتٍ أدّت بها إلى تشارُفِ ضياعِ قيمها وتقاليدِها ، بسبب عمليّة تعزيز فكرة تحضيرها ومحو الأميّة فيها ، ما دفع المستعمرة إلى إعداد النخبة الموالية لها بعد مغادرتِها .
 
   قطاعُ دولة السّنغال التّربويّ لم يزل يواجِهُ عبر تاريخه مشكلاتٍ ، باتتْ تؤرِّقُ عيونَ الباحثين والعلماء الاجتماعيين المحلّيين وغيرهم ، بحثًا عن أسبابِها وتداعياتِها التّي يمكن أن تعرقل المساعي التّطويريّة المستمرّة نحو التنمية والتّقدّم ، وتحقيق المصير والاستقلال الذّاتيّ .
   
 بالتّتبع نرى أنّ الوثبة الاستعماريّة الفرنسيّة في قطاعها التّربويّ قد تركت تبعاتٍ أكثر سلبيّة وخطورة من استغلال مواردها الطّبيعيّة والبشريّة ، إيمانا منها أنّ التّربية مجالٌ حسّاسٌ يمكن من خلاله تحطيمُ كلّ القوى الشّعبيّة الدّافعة إلى التّطوّر ، وذلك عن طريق وضع برامجها التعليميّة والتّربويّة بشكلٍ يطابقُ ثقافةَ المستعمرِ وحضارتَهُ ، ويخدمُ سياسَتَهُ ويعزز وجوده .
 
    لكلّ قطاعٍ داخلَ المجتمع المتحضر نقاباتٌ تضمّ عامليه ، تهدفُ إلى جلبِ حقوقهم في حالة هتكها بأسبابٍ قد تكون سياسيّة أو جتماعيّة أواقتصاديّة ، وإلى ترسيخ وجودها ودورها التّنمويّ والتّأسيسيّ ، وإلى حماية حصافتها الدّستوريّة والاجتماعيّة..
 
  ومن هذا المنطلق ، يشهد القطاع التّربويّ احتجاجاتٍ جماهيريّة على مستوى معلمي المدارس الحكوميّة العموميّة ، بمطالبة تحقيق العدالة بين الموظفين في دفع الرّواتب الشّهريّة والتّرقيّاتِ المِهْنيّةِ وغيرها من الحقوق المنتهكة ، وهذه الاحتجاجاتُ لم تولِ لها الحكومات التّي تعاقبتْ على العرش اهتمامًا ذا بالٍ عبر التّاريخِ ؛ نظرا لموقف المستعمر التّاريخيّ السّلبيّ تجاه التّربية والتّعليم في المجتمعات الأفريقيّة ، حيث حاول فرض لغته وحضارتِه على مدارسِها وسعى إلى علمنةِ مناهجها التّعليميّة لأجل تخريج فئة مدّربة بالثّقافة العلمانيّة في ثوبها الغربيّ ، يلعب دورَ تشويه حقائقنا التّاريخيّة وتحجير قيمنا وتراث أجدادنا .
 
   إنّ دفع رواتب الموظفين ، وتأمينهم اجتماعيّا من الحقوق الأساسيّة التّي يجب أن تقوم بها الدّولة السّنغاليّة وفقا لدستورها ، لأجل تلبية حاجاتهم النّفسيّة والاقتصاديّة وتحسين أوضاعهم الاجتماعيّة ، اعتمادًا على مواردها الماليّة والطّبيعيّة ، مقابل ما يساهمون به في تربية النّشئِ وتعليمهِ ليساهم في كل ما من شأنه تحسين مجالات البلد الحيويّة والصّمود أمام التّحديات الإيكولوجيّة والبشريّة .
 
   وللسنغال مواردٌ ماليّة هائلةٌ كفيلة بتوفير ما يحتاجها سكّانُها من الأمن المجتمعيّ وإنعاش مجالها الحيويّ ، والقضاء على مشاكلها الاجتماعيّة بشكلٍ سريعٍ ، ومن تلك الموارد مورد ميناء السّنغال ، والفواتير الاستهلاكيّة ، والضّرائب الجمركيّة للاستثمارات المحلّية والخارجيّة ، لكنّ سوء استغلالها وعدم صرفها في مجالها المناسب يؤدّي تارة إلى احتجاجٍ شعبيّ مريرٍ يعنّف حكوماتِها ، لتساهلها في تلبية مطالب الشّعب والقيام بأولوياتِها .
 
   للنّقاباتُ الوطنيّة واحتجاجاتها حسب مجالها دورٌ فعّال في تصحيح مسار الحكومةِ وتحقيق العدالة بين المواطنين ، وإشعارِها بمهمة حماية القيم والمعايير السّياسيّةِ ، و الأخلاقيّة والمهنيّة داخل البلد ، وإلى إزالة كلّ الأشكال المحسوبيّة والمظاهر الطّبقيّة عن مجالاتها ، خاصة المجالات التّي أكثر حسّاسيّة : المجال التربويّ والصّحيّ والأمني والاقتصاديّ وغيره ، و تسويدِ الأمور التّي تتطلّب الكفاءةَ إلى أصحابِها .
 
    
    ولكلّ احتجاجٍ أغراضٌ يسعى أفرادُه لتحقيقها بكلّ الوسائل الممكنة ، حتّى ولو أدّى إلى بذل مادّيّ ومعنويّ أمام الحكومة الحاكمةِ ، لكن تارة ما تحوف تلك الأغراضَ الملابساتُ فتملي عليها الضبابيّة ، وهذه الملابسة قد تكون سياسيّة فتؤدّي إلى اختلالٍ جذرِيٍّ للأسبابِ الاحتجاجيّة .
 واحتجاجات النقابات الوطنيّة في القطاع التّربويّ احتجاجاتٌ تاريخيّة لم تزل حوادثها تكررها المخابرات الوطنيّة والأجنبيّة ، يسعى أفرادُها لإرجاع الحقوق المسلوبة وتحقيق العدالةِ بين الموظّفين حسب مستوياتِهم المهنيّة ، وهذه تعتبر في هذه الآونة الأخيرة قضيّة جوهريّة بدون حلّها يمكن أن تتعرض التّربيةُ والتّعليم لضرباتٍ قاسيّة ، تتمثل في الأزمة التربويّة ، والضّعف المستوياتيّ لدى أبنائِها ، والأكثر سلبية هو العجز الميزاني السّنويّ المخصص لمجال التّربية والتّعليم !
والقضيّة بتاريخها فرضتْ علينا دراستها بزوايا مختلفة وأبعد ، وهي أنّ معظم النقابات الوطنيّة في المجالات الأخرى غير التّربية والتّعليم  لها حصافتها الاجتماعيّة والدّستوريّة ، وخرقها يُعتبر جريمةً لدى أفرادها ، ويمكن أن يؤدّي إلى تمنُّعٍ جماهيريٍّ عن أداء واجبهم المهنيّ ، وفي حالة انتهاكِ حقوقها لدى الحكومةِ ، فتحلّ في أقرب وقتٍ ممكنٍ دون التّعرّض على الإزعاج المؤسّساتيّ الشّعبيّ عن عطائها الحضاريّ والمعرفيّ !
 
   وقضيّة انتهاك حقوق المربين لا تقلّ أهميّة عن قضيّة تغيير البرامج التّعليميّة في المدارس السّنغاليّة التّي حدّدتْ أهدافَها الحركاتُ التّبشيريّة بتاريخها القديم بالمنطقة سنة 1863م  التّي حاولتْ علمنةَ مناهجها التّعليميّة بإعداد النخبة الموالية للمستعمر قبل وبعد مغادرته عن منطقة غرب أفريقيَا ، ولذا نرى أنّ الحكومات التّي تعاقبتْ على العرش لا تولي اهتماما بالغا لمجالنا التّربويّ ، لعدم الانفلات عن سيطرتها التّي تأتي بأشكالٍ مختلفةٍ ، لأنّ تغيير واقع مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة حسب معطيات الدّراسات الأثريّة والبحثيّة ، ينطلق من تغيير مناهجه ومن ثَمَّ تضيعُ قيمه وتقاليده ومعاييرهِ .
لتوسيع آفاق البحث حول هذه القضية ، هل هناك مساعي نخباتيّة ومحلّية لتغيير المناهج التّي تخدم المستعمرة وسياساتها ؟
 مالقضيّة التّي نعتبرها كقضيّة جوهريّة ينبغي القيام بحلها ؟
  مالدّور الإنسانيّ الملموس الذي تقوم به مدارسنا في تحقيق المصير والاستقلال الذّاتيّ منذ شبه الاستقلال ؟
  هل الشعب في يقظةٍ أنّ هذه الاحتجاجاتِ فرصةٌ ينتهزُها المستعمر لدراسة موقفها من جديدٍ ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى