مقالات

التصوف : الأصالة والتجديد ومناهج التربية

أ.د. أسعد السحمراني

التحديات المعاصرة والسلوك:
إنّ السائد القيمي في الإعلام والإعلان وفي الكثير من الكتب المدرسية تطغى فيه لغة الكم والمقدار، والأبعاد المادية التقنية، وذلك بفعل السيطرة الأوروبية وبعدها الأميركية طوال القرنين الماضيين، الثامن عشر والتاسع عشر. كما أن بدايات القرن العشرين تشهد غلواً مادياً، ومساعي لانتشار مفاهيم رأسمالية متوحشة لأن أطروحات النظام العالمي الجديد، وبعدها أطروحة العولمة التي تنشط لأجلها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها وأتباعها تشكّل خطراً كبيراً. وتحمل العولمة/الأمركة، وكل السياسات المادية الطابع، تحديات معاصرة مشحونة بالمخاطر على الإنسان كرامةً وقيماً، والمتفحّص للواقع العالمي عسكرياً واقتصادياً وفنياً وأخلاقياً وفي منظومة الأسرة يلمس بشكلٍ بيّن ذلك السعي المحموم لسيادة القيم المادية مع الإباحية والفوضى الإجتماعية، وهذا السعي يتشكّل بحربٍ على الإيمان والتديّن والأخلاق والقيم الفاضلة، أي بكلمة الحرب على إنسانية الإنسان.
إنّ المفاهيم والسلوك الرادعين لهذه التحديات يتمثلان في إعادة الإعتبار لمنظومة القيم التي تقنّن شبكة العلاقات الإجتماعية على أن تكون هذه المنظومة مؤصلة على أسس ومبادئ وقيم الدين، والفكر ذي الأبعاد الإنسانية، وهذا يحتاج إلى الدراسة الفاحصة الجادة لفلسفة التربية والمناهج التعليمية المعتمدة، هذا بالإضافة إلى المقررات المدرسية، ومحتويات الكتب والمذكرات في مختلف مستويات التعليم ما قبل الجامعي والجامعي.
وإذا كانت مضامين الكتب المقررة في التعليم مع الإعلام وما يسود بفعل الأمركة والصهينة والتغريب تُجَفّف المنابع الروحية، وتهمل الجانب الإنساني، فإن الأمر يحتاج إلى اقتران مفاهيم الكيف بالكم، وإلى إثراء الروح، وشحذ النفس وتزكيتها بالمثل العليا والقيم، هذا مع الإهتمامات الإقتصادية/المادية.
إن التوازن القيمي المعنوي – المادي أمرٌ ضروري لإعدادٍ تربوي يقدّم للمجتمع القومي والعالمي إنساناً متوازناً لا خلل في شخصيته، وهذا الإستقرار على مستوى الفرد ينتج استقراراً في العلاقات الإجتماعية، وبالتالي يؤدي إلى استقرارٍ في المجتمع.
وإذا كان للدين فعله الرئيس في هذه العملية التربوية السويّة من أجل إنسانٍ سويّ، ومجتمعٍ مستقر فهنا نصل إلى السؤال:
ما موقع التصوف في الإسلام بناءً على الواقع المعاصر ومعطياته؟ وهل التربية الصوفية مجدية في انتاج وتكوين شخصية متوازنة لا يطغى فيها جانب على آخر ولا ميول على أخرى؟
وهل التصوف بمدارسه التقليدية هو المطلوب وعنده الحلّ؟ أم أن الأمر يحتاج إلى تأصيل إسلامي مع الإستفادة من التراث الصوفي باقتباس ما له حضور وفعل في الواقع، وتجاوز ما هو سلبي وليس له فعل وتجاوزه الزمن، هذا مع إضافات وابتكارات تحمل صياغات نظرية ومسلكية تستجيب للتحديات؟
والسؤال الأخير: إلى أي مدى يستطيع التصوف القائم على التساؤلات السابقة، أن يسهم في تكوين أجيال الأمة على أسس تربوية سليمة محصّنة من الوافد المسموم والموروث الميّت، هذا مع تفعيل الروح الجهادية ومنهج فكر المقاومة كي يكون الصوفيون مرابطين كما كان السلف الصوفي مع انطلاقة الرباطات والزوايا؟
التصوف: التعريفات والمفاهيم:
إن التصوف من الموضوعات التي نالت اهتمام الباحثين، والمؤرخين، والفقهاء، وفلاسفة الأخلاق، وعلماء التربية، لأن التصوف علماً وعملاً يدخل في هذه العلوم والمعارف جميعاً.
كما أنّ المفاهيم اختلفت، وأحياناً تناقضت بشأنه، ومنها ما نحا منحىً سلبياً وصل إلى حدّ الشطح الذي هو تصرّف فيه رائحة رعونة، ومنها-وهو الأغلب في البدايات الأولى- ما كان إيجابياً ترك بصماته في الجهاد وحركات التحرير من رباط عبادان(۱) في أطراف العراق في القرون الأولى للهجرة ورباط المنستير(٢) في أطراف تونس وصولاً إلى الجزائر ومقاومة الإحتلال الفرنسي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وثورة عمر المختار في ليبيا ضدّ المحتلّ الإيطالي، وغير ذلك كثير. وقد برزت آثار التصوف كذلك في صقل وتهذيب شخصيات المريدين السالكين في الطرق الصوفية، حيث كانوا في مفاهيمهم كما في تصرفاتهم وسلوكهم مدارس في الأخلاق، ونشر الفضائل، وكانوا حرباً على المفاسد والرذائل، وعلى الجشع، والتعلّق بالشهوات، وكانت انطلاقة التصوف من بين صفوف الزهاد، وأهل الورع، يضاف إلى ذلك كلّه صفاء القلب وتزكية النفس بالذكر والحمد والتسبيح تقرّباً من الله تعالى ليكون للصوفي الإطمئنان القلبي بفضل الزهد وبعد ذلك اليقين والتكمين.
نترك للكلاباذي نقل هذا التعريف، حيث قال:” سُئِل الجنيد عن التصوف، فقال: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفحات الروحانية، والتعلّق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة.”(۳)
التصوف وفق تعريف الجنيد عماده صدق العهد مع الله تعالى والتزام الشريعة قرآناً وسنّة، والسعي لتحصيل علوم الحقيقة هذا مع إخماد النوازع والدوافع الطبيعية، والعمل لنيل مرتبة الأخلاق الحميدة، وعدم مخالطة أهل الدنيا، والمتعلقة قلوبهم بالشهوات والماديات.
أما ابن خلدون فإنه صنّف التصوف بين العلوم الشرعية التي حدثت في الإسلام مع سلف الأمة، وكان قوامها السلوك الذي تميّز به الصوفيون عبادةً وزهداً وأخلاقاً. قال ابن خلدون في التصوف:”هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أنّ طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم طريقة الحقّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والإنقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذةٍ ومالٍ وجاه، والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف فلما خشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختُصَّ المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوفة.”(٤)
يبرر ابن خلدون نشوء التصوف، وتميُّز الزهاد بهذا الإسم بعد القرن الثاني للهجرة، وكأنه حالة اعتراض على الإقبال على الدنيا وزخرفها الذي مال إليه تيار من أهل الأمة، وهذا التميّز والإنفراد قام على أنماط خاصّة من السلوك رافقها نظام الخلوة في الزوايا الصوفية الذي يمارسه أتباع الطرق لبعض الوقت حيث الذكر والإنقطاع للعبادة وقتاً معيّناً ليتحقق للسالك الصفاء، والتجرّد من الدنيويات، ويكون له بذلك المعراج الروحي. وقد برر الصوفيون هذا السلوك على أنه مستمد من النبوة حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو لأيام في السنة في غار حراء متعبداً متأملاً، وذلك قبل البعثة النبوية.
والتصوف يحتاج للنيّة والعزم؛ النية المقترنة بالإخلاص القلبي لله تعالى لأن النية مقدمة لكلّ عبادةٍ وعملٍ والتصوف منها، والعزم على ترك المعاصي وهجر آفات النفس ونوازعها المادية، وجماع ذلك الإخلاص. إنّ الإخلاص هو الذي ينـزّه النفس ويطهرها “وإذا رجعنا إلى أقوال القوم ومؤلفاتهم وجدناها غاصّة بالتحذير من ألوان الرياء وخفاياه، وبالتنبيه إلى دقائق الورع، وأعمال القلوب، ومراقبة الأنفاس، وهي التي دعوها: آداباً. وهي آداب في العبادات نفسها مع الله، وفي المعاملات مع الناس، اجتهدوا في استخلاصها من الأخبار، ومن الفهوم الناجمة عن الأعمال، وجعلوا سلوك طريقهم مبنياً عليها بل هي موضوع التصوف العملي الذي جماعه الخُلْق والآداب، فمن لا أدب له لا شريعة له ولا توحيد”.(٥)
ينتقل بنا هذا التعريف إلى جانب مهم في التصوف هو جانب المعاملات الذي يستجدّ في السلوك الذي يمارسه الصوفي لأن السلوك العملي هو أساس التصوف، وهذا السلوك عماده الأخلاق والآداب التي تلتزم الشريعة السمحاء، والسلوك القائم على أسس الآداب السليمة دليل على التزام الشريعة والإيمان بوحدانية الله تعالى.
وإذا انطلق المفهوم من الإصطفاء، فإن النصّ القرآني جاء يبيّن بأن المصطفين منهم المستقيم والملتزم بالتنافس في الخيرات، ومنهم من ظلم نفسه فحاد عن جادّة الصواب. قال الله تعالى:”ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير.”(٦)
وقد قال ابن تيمية في المتصوفة:” الصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرّب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كلّ من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين من هو ظالم لنفسه، عاصٍ لربّه.”(۷)
إن المتصوفة إذن هم المجتهدون في العبادة، والمتقربون إلى الله تعالى بالطاعات وإنهم ليسوا صنفاً واحداً، وانما بينهم المستقيم الصحيح في الفهم والسلوك، ومنهم من يكون غير ذلك.
نخلص إلى القول:” لا يمكن تصنيف الصوفيين بشكل إجمالي عشوائي، فبين الصوفيين الصادق المستقيم السلوك وهو بين من اصطفاهم الله تعالى، ومنهم الذي أخذ من الصوفية مظاهر وتقاليد أراد بها إخفاء حقيقة ما تكنّه نفسه من مكائد، أو نوازع تتنافى مع الإسلام الحقّ، ولذا نرى أن بعض من انتسبوا إلى التصوف قد أساءوا له وللإسلام، ونجح الشيطان باستدراجهم إلى دائرته عندما اغترّوا بالمظهر وأهملوا الجوهر.”(۸)
تزكية النفس والأدب السلوكي عند الصوفية:
إنّ التصوف عملية تربوية لمن ينتسبون إليه عبر الطرق الصوفية، وهم المريدون الذين يتعهدهم شيخ الطريقة، والتصوف تزكية وتهذيب للنفس قبل أي شيءٍ آخر.
إنّ فلسفة الأخلاق عند المسلمين في التراث موجودة في كتب الصوفية التي كانت ولا تزال معيناً لا ينضب في كلّ ما يتعلّق بالإنسان إعداداً وتأديباً وتربيةً باتجاه التزام القيم والمُثُل العليا، لذلك أعطى الصوفيون حيّزاً أساسياً من اهتمامهم للنفس من أجل إصلاح الفرد تمهيداً لإصلاح المجتمع، لأن النفس هي قوة التدبير والقيادة في الإنسان، وتزكيتها سبيل الفلاح. قال الله تعالى:” ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكّاها. وقد خاب من دسّاها.”(٩)
بناءً على ذلك يكون أوّل عملٍ يقوم به المتصوّف هو تبديل أحواله، وأساس ذلك معرفة النفس، والعمل على تخليصها من العلائق الدنيوية، وتخفيف أثر الدوافع المادية والشهوات عليها، وقيادتها باتجاه طريق الإحسان القائم على سلوكٍ يتأسس على قاعدة مراقبة الله تعالى.
وأول ما يحتاج السالك طريق الصوفي هو:”علم آفات النفس، ومعرفتها، ورياضتها، وتهذيب أخلاقها، ومكائد العدو، وفتنة الدنيا، وسبيل الاحتراز منها؛ وهذا العلم علم الحكمة.
فإذا استقامت النفس على الواجب، وصلحت طباعها وتأدبت بآداب الله عزّ وجل: من زمّ جوارحها، وحفظ أطرافها، ومجمع حواسها، سَهُل عليه إصلاح أخلاقها، وتطهير الظاهر منها، والفراغ مما لها، وعزوفها عن الدنيا، وإعراضها عنها.
فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر، وتطهير السرائر، وهذا هو علم المعرفة.”(۱۰)
إنّ الحكمة والمعرفة ركنان في الدعوة الإسلامية، ولا بد أن يكونا كذلك في الأدب الصوفي، لأنهما تشكلان حصانة للفرد من الزلل. فتزكية النفس مع امتلاكها الحكمة والمعرفة سبيل مهم ليصبح الإنسان ذا شخصية ربانية، ومن المقربين إلى الله تعالى، ويكون من المحببين إلى الناس، فالتصوّف يجب أن يقود إلى التزام العهد مع الله، والعلاقة الصحيحة مع عباد الله.
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في هذا الموضوع:” الصوفي من كان صافياً من آفات النفس خالياً من مذموماتها… وقيل: إنّ التصوف الصدق مع الحق وحسن الخُلُق مع الخَلْق.”(۱۱)
إنّ فيلسوف الصوفية الأبرز أبا حامد الغزالي صرّح بأن التصوف عمل وسلوك وتغيير أحوال أكثر منه علم نظري، والعلم النظري فيه يسهل تحصيله من الكتب والمؤلفات لكن الأصعب هو أن يكون الإنسان متأدباً بآداب الصوفية سالكاً طريق الحق من خلالها، وهذا أمر يحتاج لنفس زاكية، ولسلوك راقٍ، ولممارسات تسمو بصاحبها ليكون في مصاف أصحاب الفضائل. وقد قال الغزالي:” وعلمت أنّ طريقتهم إنما تتم بعلمٍ وعملٍ، وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس، والتنـزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة….. فظهر لي أنّ أخصّ خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلّم بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات…. فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال.”(۱۲)
إنّ الصوفي محتاج للإنتقال من حالٍ إلى حال، ومن أنماط في السلوك إلى أنماط سلوكية فاضلة، وهذا لا يتمّ بالدراسة وتحصيل العلم الصوفي فقط. هذا ما يجعل التصوف ضرورياً في العملية التربوية، وقد كان شيخ الطريقة يعطي الفرصة للمريدين أن يعيشوا معه في جلّه وترحاله، يقتبسون منه الأفعال قبل الأقوال، وكانوا يتعلّمون منه باتخاذه قدوة لهم، وبذلك يجتهدون بممارسة ما يمارس بخلاف العملية التعليمية التي نراها اليوم حيث الإهتمام عند من يقومون بها ينصبّ على نقل المعارف والمعلومات دونما اهتمام بصقل الشخصية وتهذيبها، ودون مراقبة كافية لسلوك الطالب. فالنظام التعليمي لا يعطي فرصة للطلاب كي يعايشوا المدرس والأستاذ، والمعلوم أن الأهل في البيوت منشغلون بتحصيل الحاجات المادية، والقليل منهم من يهتم بالتوجيه والتربية، وبيوت العبادة ينتشر فيها -غالباً- خطاب تقليدي لا يستميل، ولا يقدّم حلولاً لما يعانيه الناشئة أو يريدونه.
كلّ هذه الجوانب يضاف إليها ما ينشره الإعلام غير المنضبط من مفاسد، ومن مظاهر المجون والإباحية. هنا يكون الدور التربوي في تزكية النفوس وترقية السلوك للأسرة بشكلٍ أساسي، ومعها التصوف المعتدل المتوازن البعيد عن الشطحات، وأشكال الغلو والتفريط أو الإفراط.
ونترك للقشيري الحديث والتعليق على تزكية النفس بعد تفسير صورة “الشمس”؛ حيث يقول:” أنه أفلح من طهّر نفسه من الذنوب والعيوب، ثمّ عن الأطماع في الأعواض والأغراض، ثمّ أبعد نفسه عن الإعتراض على الأقسام، وعن ارتكاب الحرام. وقد خاب من خان نفسه، وأهملها عن المراعاة، ودنّسها بالمخالفات؛ فلم يرضَ بعدم المعاني حتّى ضمّ إلى فقرها منها الدعاوى المظلمة، فغرقت في بحر الشقاء سفينته.”(۱۳)
الشريعة والشيخ:
الشريعة هي كتاب الله تعالى وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، والفقه هو العلم والفهم، واستنباط الأحكام، والفقه متنوع. أما الشرع فملزِم للجميع وهو الضابط، وفيه المعايير والمقاييس، وقد سلّم الصوفيون -سوى أصحاب الشطحات- بذلك، وصرّحوا بضرورة الإلتزام بالشريعة: كتاباً وسنّة.
قال الجيلاني:” فالذي يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الإعتقاد الصحيح الذي هو الأساس فيكون على عقيدة السلف أهل السنّة القديمة؛ سنّة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصدقين….. فعليه التمسّك بالكتاب والسنّة والعمل بهما.”(۱٤)
إن الشريعة كتاباً وسنّة هي الأساس وهي الضابط لذلك كان مطلوباً من الصوفي قبل مبايعة شيخ الطريقة أن يحصّل القدر اللازم من العلم الشرعي والفقه، والمأثور عن الطريقة الشاذلية في بدايات نشأتها أنها كانت تخضع من أتى ينتسب إليها إلى اختبار علمي، وإن لم ينجح فيه يحوّل إلى علماء من الطريقة يدرسونه ويعدّونه لامتحان آخر.
وقد أورد أبو طالب المكي ما يفيد الأمر نفسه، قال:” حدّثونا عن الجنيد قال: كنت إذا قمت من عند سري السقطي قال لي: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي، فقال: نعم، خُذْ من علمه وأدبه… قال: فلمّا وليت سمعته يقول: جعلك الله صاحب حديث صوفياً، ولا جعلك صوفياً صاحب حديث.
يعني أنّك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن، ثمّ تزهّدت وتعبّدت فقدمت في علم الصوفية وكنت صوفياً عارفاً، وإذا ابتدأت بالتعبّد والتقوى والحال شغلت به عن علم السنن، فخرجت إما شاطحاً أو غالطاً، لجهلك بالأصول والسنن.”(۱٥)
إنّ هذه الواقعة تشكّل تأصيلاً مهماً للسلوك الصوفي الذي يقوم على العلم، وهذا ضروري من أجل منع حالات الغلو والشطح التي ذهبت ببعضهم بعيداً عن الإعتدال، ومن جوهر الإسلام، والتصوف الحقّ هو من يبدأ صاحبه بتحصيل العلم أولاً، ومن ثمّ يسلك في الطريق فيكون صوفياً عالماً.
لذلك أكّد الصوفيون الأوائل على ضرورة الفقه للتصوف، وأن الصوفيين المهتمين بالتهذيب وتزكية النفس يتخذون الفقهاء مرجعاً إذا التبس عليهم أمر، إلا إذا كان شيخ الطريقة فقيهاً أو أحد المريدين فيأخذ الدور عندها.
ولقد بيّن الطوسي بأن الصوفيين:” اتفقوا مع الفقهاء وأصحاب الحديث في معتقداتهم، وقبلوا علومهم، ولم يخالفوهم في معانيهم ورسومهم، وإذا كان مجانباً من البدع، واتباع الهوى، ومنوطاً بالأسوة والإقتداء، وشاركوهم بالقبول والموافقة في جميع علومهم ولم يخالفوهم، ومن لم يبلغ من الصوفية مراتب الفقهاء، وأصحاب الحديث في الدراية والفهم، ولم يحط بما أحاطوا به علماً، فإنهم راجعون إليهم في الوقت الذي يشكل عليهم حكم من الأحكام الشرعية، أو حدّ من حدود الدين.”(۱٦)
وقد وجه جميع المهتمين بالتصوف إلى ما ورد سابقاً، وهو أن تكون الشريعة هي الفيصل في الحكم على كلِّ عملٍ أو سلوك أو كرامة. ونختم في هذا الجانب مع الشوكاني الذي قال:” ولا يجوز للولي أن يعتقد في كلّ ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله سبحانه وتعالى. فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكره. بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنّة، فإن كانت موافقة لها فهي حقٌّ وصدق وكرامة من الله سبحانه. وإن كانت مخالفة لشيءٍ من ذلك، فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان فلبّس عليه.”(۱٧)
إذن الشريعة ( قرآناً وسنّة ) هي الأساس وفيها الضوابط والمعايير، وكلّ ما يخالفها غير مقبول، ولا هو من الدين.
أما الشيخ فموقعه أساسي عند الصوفية، ويقولون في ذلك :”من لا شيخ له فشيخه الشيطان”. والقاعدة عند الصوفية أن المريد يحتاج لشيخ مرشد يقوده في الطريق والسفر الصوفي، وواجب المريد أن يبدأ مسيرته الصوفية بمبايعة الشيخ، وإعلان التوبة أمامه لأن التوبة أوّل مقامات التصوف.

والمريد يجب أن يطيع شيخه، وأن يكون بين يديه كالعجينة الطرية. ووصل ببعضهم إلى القول: النبي معصوم، والشيخ محفوظ، وبذلك يكونون قد غالوا في الظن بالشيخ واعتبروا أيّ نقاش معه أو مراجعة لها غير مقبولين.
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني بشأن المريد:” فالواجب عليه ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الإعتراض عليه في الباطن، فصاحب العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الإعتراض بسرّه متعرّض لعطبه”.(۱٨)
هذا الطلب خطير جداً لأن العصمة هي لأنبياء الله تعالى صلى الله عليهم وسلّم، وبعدهم كلّ إنسان يؤخذ منه، ويراجع، ويردّ عليه. هذا الغلو في الطاعة للشيخ هو الذي ألحق بالتصوف جهالات وأنماطاً من التصرفات، وأنواعاً من السلوك تخالف الإسلام.
والسلبية آتية من جهة نوع الشيخ في الطريقة، ومسألة الإجازة التي يمنحها لبعض المريدين أو الأبناء، ومنهم من لا يكون على المستوى المطلوب -خاصة من ناحية العلم الشرعي والفقه- فينعكس ضعفه على الطريقة، وعلى الكثير من المفاهيم، وكثيراً ما صادف بعضنا وريثاً أو إبناً لشيخ طريقة ليس له من النسب والقرابة إلا قرابة الدم، وهذا أحدث تدهوراً في مسار بعض الطرق، وانحدر بمستواها، وكان من ذلك ما لا نحمد عقباه. وبسبب ذلك لحق التصوف بعض الخرافات والضلالات والبدع، ولا بدّ من التنقية كي يبقى للتصوف موقعه ومكانته بين العلوم الشرعية الحادثة في الملة كما قال ابن خلدون. وهذا يعني أن نقوم بعرض كل ما يكون من الشيخ أو المريد أو أي صوفي على المعايير والأحكام الشرعية لأنه ما من أحد فوق النقد، وفي الحديث النبوي الشريف:” كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون.”
وواجب الصوفيين أن ينتبهوا إلى هذه المسألة، وأن لا يظنّوا مميزات لأحد غير ما هو لكلّ الناس، وأن المعيار هو الخلق والعلم، واتباع الشريعة. إنّ سبب الإلحاح على هذا الأمر أنّ بعضهم يزعم أنه بسبب الإجازة والتوريث من قبل شيخ الطريقة يكون متصلاً وأن العلم اللدني، وما يحمله قلبه من نورانية، يغنيه عن العلم المكتسب وهذا غير سليم. ونترك للشوكاني أن يختم هذا المبحث حيث يقول:” ومن ظنّ أن لأحد من أولياء الله سبحانه طريقاً إلى الله تعالى غير الكتاب والسنّة، واتباع رسول الله صلى الله عيه وسلّم فهو كاذب.”(۱٩)
الكسب والوقوف على أبواب الحكام:
إن السعي في كسب المعاش، وتأمين الحاجات الدنيوية أمر فطري في الإنسان، وقد أكد الإسلام عليه حيث حثّ النص الشرعي في القرآن الكريم والسنّة النبوية على ذلك.
الإنسان له حاجات متنوعة ولا بدّ له منها لقوام حياته، ومن أجل ذلك يتعاون مع سواه ويختصّ كل واحد بوجه من وجوه الكسب، وإذا قصّر شخص يكون عالة على غيره يعيش من عمل غيره. والأمر في الآية الكريمة أن يخرج كلّ إنسان حسب طاقته مكافحاً من أجل حاجاته. قال تعالى:” هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور.”(۲۰)
وفي آية أخرى:” ولقد مكنّاكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون.”(۲۱)
ولعل في سيرة النبي داود عليه السلام ما يؤكد فضل السعي، حيث أن الأنبياء وهم المصطفون لحمل الرسالة والدعوة إلى الناس كانوا يكسبون معاشهم بنفسهم. وبذلك يكون من المسلّم به أن يسعى كل إنسان أيًّا كان في الكسب وتحصيل الرزق صوفياً أم غير صوفي، وشيخاً أم مريداً. قال تعالى بشأن داود عليه السلام:”ولقد آتينا داود منّا فضلاً يا جبال أوّجي معه والطير وألنّا له الحديد. أن أعمل سابغاتٍ وقدّر في السرد واعملوا صالحاً إنّي بما تعملون بصير.”(۲۲)
وفي سورة طه عندما جاء الخطاب الإلهي لموسى عليه السلام في السؤال عن العصا التي بيمينه، جاء الجواب بلسانه قرآناً:” قال هي عصاي أتوكّأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى.”(۲۳)
في هذا الجواب دليل على كسب المعاش من القيام برعي الغنم أومن أعمال أخرى.
وورد في الحديث النبوي الشريف:” لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه.”(۲٤)
وفي حديث آخر:” من طلب الدنيا حلالاً وتعفّفاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطّفاً على جاره لقي الله وجهه كالقمر ليلة البدر.”(۲٥)
والتصوف لا يعني ترك المعاش والمطالب الدنيوية، وواجب الإنسان أن يعمل للدارين معاً. ففي الوقت الذي يعمل فيه الإنسان للآخرة واجبه أن لا ينسى أمور المعاش الدنيوي أو يهملها. قال الغزالي:” إن ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب جعل الآخرة دار الثواب والعقاب، والدنيا دار التمحّل والإضطراب، والتشمّر والإكتساب. وليس التشمّر في الدنيا مقصوراً على المعاد دون المعاش، بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه، فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها.”(۲٦)
إنّ الزهد ليس ترك الزاد والكسب، ولكن الزهد أن يكتفي المرء بنصيبه من الدنيا وأن تبقى الدنيا في يده ولا تدخل قلبه، أي أن يكون مستعداً للإستغناء عنها عند اللزوم كما الحال مع السلف والصحابة، خاصة الذين ينفقون من غير خوف الفقر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي قال عنه أحدهم يوم طلب منه بعض من رؤوس الغنم:” وجدت محمداً صلى الله عليه وسلّم يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.”
والخليفة الراشدي الأوّل أبو بكر الصديق نزل في اليوم الثاني لتوليه الخلافة إلى السوق يسعى في رزق عياله، فتعرّض له عمر وعلي رضي الله عنهما وسألاه عن ذلك وعن التفرّغ لشؤون المسلمين، ولما سألهم قائلاً: ورزق عيالي. فرضا له من بيت مال المسلمين حاجته فوافق على ترك التجارة.
إنّ هذا الحشد من النصوص والمواقف ييّن تهافت حجّة الذين يقعدون عن الكسب ليأخذوا حاجتهم من المريدين وأصحاب المال بحجّة أنهم ينقطعون للعبادة، ومثل هذا ليس مطلوباً ولا مقبولاً في الإسلام، وهذا يوجب على المتصوفة أن يدخلوا في توجيههم مادة تعليمية مضمونها كيفية الكسب وأهميته من الوجوه الحلال، وأن ينفّروا من إهمال المعاش و من أن يكون الإنسان عالة على غيره.
قال الحارث المحاسبي:” فقد تبيّن فضل السعي والحركة على ما وصفنا، وهي أعلى الدرجات في كلّ حال عندنا، والله أعلم. فإذا أردت أن تأتي سوقك، أو شيئاً لمعاشك، أو صنعة، أو وكالة، أو غير ذلك، لطلب الحلال والإتباع لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وللثواب في نفسك وعيالك، والإكتساب عليهم، والإستغناء عن الناس، والتعطف على الأخ والجار، وأداء الزكاة، وكل حقّ واجب، فأمل في ذلك أن تلقى الله عزّ وجلّ ووجهك كالقمر ليلة البدر.”(۲٧)
هذا الترغيب في الكسب يقابله أنه من واجب سالكي طريق الحق والولاية أن ينأوا بأنفسهم عن السلاطين، لأن الإسلام ينبّه إلى أنّ العلماء ورثة الأنبياء، لذلك يكون من واجب الساسة وأهل السلطة أن يتردّدوا إلى العلماء لينهلوا من توجيههم. أما العلماء على أبواب السلاطين فإنهم يشكّلون قدوة سيئة لعامة الناس، وبذلك يصبح فعلهم مفسدة. نُقِل عن الحسن البصري أنه “مرّ ببعض القرّاء على بعض أبواب السلاطين فقال: جئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم فزهدوا فيكم، أما أنكم لو جلستم في بيوتكم حتى يكونوا هم الذين يرسلون إليكم لكان أعظم لكم في أعينهم، تفرّقوا فرّق اللهبين أعضائكم.”(۲٨)
لذلك كان الحسن البصري صاحب هذا الموقف يطرد من حلفائه، ومن بين مريديه من يتردّد على أبواب السلاطين ويطمع بعطائهم. والسبب أن صاحب الأمر لا يعطي لهؤلاء ما يسألون إلا لأنه يطمع بثنائهم ومدحهم ليستغلّ ذلك ويستفيد منه فيكون فعلهم عوناً له على ظلمه واستبداده.
وقد ذهب أبو حامد الغزالي المذهب نفسه حذراً من التكسّب بالعلم من ذلّ السؤال، ومن أموال السلاطين. ويقول:” فأما الآن لا تسمح نفوس السلاطين بعطيّة إلا لمن طمعوا في استخدامهم، والتكثير بهم والإستعانة على أغراضهم والتجمّل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم. فلو لم يذلّ الآخذ نفسه بالسؤال أولاًَ، وبالتردّد في الخدمة ثانياً، وبالثناء والدعاء ثالثاً، وبالمساعدة له على أغراضه عند الإستعانة رابعاً، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامساً، وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادساً، وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوئ أعماله سابعاً، لم ينعم عليه بدرهم واحد.”(۲٩)
إن هذه الصورة التي رسمها الغزالي لمخاطر العلماء والصوفية على أبواب الحكام والسلاطين كافية كي يتنبّه المدلسون إلى مخاطر فعلهم. وهذا التوجيه فيه مطالبة للمتصوفة خاصة المتقدمون في مواقعهم بأن يكفوا عن السؤال والتردد على أبواب الحكام ليكونوا قدوة، وقادة ثورة روحية، ومنارات في المجتمع الإسلامي عموماً، وفي الوسط الصوفي خصوصاً على طريق الإستقلالية، ورفض المجاملة أو المهادنة لكل متجاوز أو مخالف. عند هذا يتمكّن الصوفيون من أداء دور ريادي في عالم اليوم من أجل إنقاذ الإنسان المتخلّف في الأرض من خلال رسالة الإسلام القائمة على أسس الرحمة والسماحة والعدل والحق والخير.

مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني ، أستاذ العقائدوالأديان في جامعة الإمام الأوزاعي – بيروت
يتبع في الحلقة التالية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى