د.عمر علي عيسى نيانغ
تشهد مالي منذ ما يقارب خمسة عشر عامًا مسارًا متقلبًا من الأزمات المتراكمة، حيث تداخلت التحديات السياسية مع الانهيارات الأمنية، لتُنتج واقعًا شديد التعقيد يصعب تفكيكه أو معالجته ضمن مسارات منفصلة. وقد بلغ هذا المسار ذروته منذ عام 2020، مع ما يمكن توصيفه بـ الانقلاب المزدوج: إذ بدأت المرحلة مع انقلاب 2020 الذي أطاح بالنظام القائم تحت ضغط الشارع والأزمة المتفاقمة، تلاه انقلاب 2021، الذي لم يكن مجرد تصحيح للمسار، بل إعادة صياغة عميقة لموازين القوى داخل السلطة الانتقالية، مما عمّق الشكوك حول جدية الالتزام بالتحول الديمقراطي، وأعاد إنتاج حالة عدم اليقين السياسي.
هذا التحول لم يقتصر على الداخل، بل ترافق مع إعادة تموضع استراتيجي على المستوى الإقليمي، تمثّل في الانسحاب من اتفاقية الجزائر، التي شكّلت لسنوات الإطار المرجعي لتسوية النزاع في الشمال، إلى جانب فك الارتباط مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا. وبينما يعكس هذا التوجه رغبة في تعزيز السيادة الوطنية، فإنه في المقابل أدى إلى تضييق هامش المناورة الدبلوماسية، وزيادة حدة العزلة السياسية، وتقليص فرص الوساطة والدعم الإقليمي في لحظة حرجة.
أمنيًا، تواجه البلاد حربًا مركبة في الشمال والوسط، حيث تتداخل جماعات مسلحة ذات طابع انفصالي مع تنظيمات متطرفة عابرة للحدود، ضمن بيئة جغرافية مفتوحة وهشاشة مؤسسية عميقة. هذا الواقع لم يُضعف فقط قدرة الدولة على بسط سيطرتها، بل ساهم أيضًا في تحويل النزاع إلى شبكة معقدة من التهديدات المتداخلة، يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية وحدها، رغم محاولات إعادة بناء القدرات العسكرية.
سياسيًا، لا تزال الانتخابات المؤجلة تمثل عقدة مركزية في المشهد، إذ يفاقم غياب أفق زمني واضح أزمة الشرعية ويؤخر العودة إلى النظام الدستوري. كما أن العقوبات التي فُرضت سابقًا من قبل الشركاء الإقليميين تركت آثارًا مباشرة على الاقتصاد، وزادت من حدة الضغوط الاجتماعية في سياق هش أصلًا، مما يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
اقتصاديًا واجتماعيًا، انعكست هذه التراكمات في تراجع مؤشرات التنمية، وارتفاع معدلات النزوح، وتدهور الخدمات الأساسية، بالتوازي مع تآكل ثقة المستثمرين نتيجة غياب رؤية سياسية مستقرة، مما يحدّ من فرص التعافي ويؤجل أي انتعاش حقيقي.
أمام هذا الواقع، تقف مالي عند مفترق طرق حاسم: إما الانتقال نحو إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية صلبة عبر تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة وتعيد دمج الأطراف المتنازعة، أو الاستمرار في دوامة عدم الاستقرار، حيث تتغذى الأزمات السياسية على الانفلات الأمني، ويتعمق الانكشاف الإقليمي.
يبقى المستقبل رهين القدرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن واستعادة الشرعية، وبين السيادة الوطنية والانخراط الإقليمي الفاعل. فبدون مقاربة شاملة ومستدامة، قد تتحول الأزمة من وضع هش إلى حالة استعصاء طويلة الأمد، تتجاوز حدود الدولة وتؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.




