✍️د.عمر علي عيسى
التوقيت يصعب تجاهل دلالته. ففي السياسة الدولية، لا تكمن أهمية الأحداث في مضمونها فقط، وإنما في توقيتها والسياق الذي تظهر فيه. ولهذا فإن تزامن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان لتفعيل البنية العملية لـ«حلف مكة» مع التحرك الإسرائيلي–اليوناني ضمن مشروع «درع أخيل» الدفاعي يفرض نفسه كإشارة لافتة في خريطة إعادة التموضع الاستراتيجي في المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه تركيا تستضيف اجتماعًا يهدف إلى الانتقال بالعلاقة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان من مستوى الإعلان السياسي إلى بناء آليات تعاون أكثر تنظيمًا، كانت إسرائيل تعمق شراكتها الدفاعية مع اليونان، الجار الاستراتيجي لتركيا في شرق المتوسط، ضمن مشروع دفاعي بمليارات الدولارات. والأكثر إثارة أن الإعلان عن موعد اجتماع «حلف مكة» جاء بعد الإعلان الإسرائيلي عن موعد التحرك مع اليونان، وهو تزامن دفع بعض القراءات الإعلامية والاستراتيجية إلى وضع الحدثين ضمن سياق واحد، والحديث عن مسارين آخذين في التشكل: تركيا–السعودية–باكستان من جهة، وإسرائيل–اليونان–قبرص من جهة أخرى.
وبالطبع، لا يكفي التزامن الزمني وحده لإثبات وجود تنسيق مباشر أو القول إن «درع أخيل» جاء ردًا على «حلف مكة»، خصوصًا أن التعاون الدفاعي الإسرائيلي–اليوناني له جذور سابقة. لكن دلالة المشهد تكمن في أن عدة قوى بدأت، في الوقت نفسه تقريبًا، إعادة بناء حساباتها الأمنية استعدادًا لمرحلة إقليمية مختلفة.
وهنا تبرز أهمية «حلف مكة». فالتحالف الذي يجمع السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، وتركيا بقدراتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي، وباكستان بوزنها العسكري والاستراتيجي، لا يمكن اختزاله في إعلان سياسي عابر. فالقوة الحقيقية للتحالفات لا تظهر فقط عندما تخوض الحرب، وإنما عندما تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل الحرب.
وهذا تحديدًا ما قد يثير القلق في إسرائيل. فتعميق الشراكة السعودية مع تركيا وباكستان يمنح الرياض هامشًا أوسع لتنويع خياراتها الاستراتيجية، ويجعل فكرة بناء منظومة أمنية شرق أوسطية تكون إسرائيل جزءًا مركزيًا منها أكثر تعقيدًا. كما أن هذا التطور يضعف، بصورة غير مباشرة، فرص بناء محور سني–إسرائيلي متماسك، في وقت تبدو فيه السعودية أكثر حرصًا على الاحتفاظ باستقلالية قرارها وتعدد شراكاتها.
لكن تداعيات «حلف مكة» قد تمتد أبعد من الشرق الأوسط، وصولًا إلى جنوب آسيا. فوجود باكستان داخل إطار دفاعي يجمعها مع السعودية وتركيا قد يجعل أي مواجهة مستقبلية بين الهند وباكستان أكثر تعقيدًا، ليس بالضرورة لأن الرياض أو أنقرة ستدخلان الحرب، وإنما لأن وجود إطار دفاعي مؤسسي قد يرفع مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي والتقني والاستخباراتي الممكن لإسلام آباد، ويرفع في المقابل تكلفة أي قرار بالتصعيد.
وفي الجهة الأخرى، يعكس مشروع «درع أخيل» عمق التعاون الدفاعي بين إسرائيل واليونان، ويعزز حضور إسرائيل الأمني في شرق المتوسط، بالتوازي مع شراكاتها مع اليونان وقبرص. وهكذا تتشكل تدريجيًا شبكة جديدة من الاصطفافات: تركيا–السعودية–باكستان في مسار دفاعي صاعد، وإسرائيل–اليونان–قبرص في مسار دفاعي متنامٍ، بينما تراقب الهند التحولات وتعيد تقييم خياراتها.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال المشهد في صورة «حلفين متواجهين». ما يحدث أقرب إلى عملية واسعة لإعادة توزيع النفوذ وبناء شبكات متداخلة من الشراكات الأمنية والسياسية. لكن المؤكد أن قواعد اللعبة بدأت تتغير، وأن بعض الدول بدأت التحوط وإعادة التموضع قبل أن تتضح الصورة كاملة.
وهنا تكمن قوة «حلف مكة»: لم يخض حربًا، ولم يطلق رصاصة، لكنه بدأ في تغيير الحسابات. فالقوة لا تقاس فقط بما تستطيع فعله عسكريًا، وإنما بما تستطيع منعه قبل استخدام القوة.
لذلك لم يعد السؤال الأهم: هل سيخوض «حلف مكة» حربًا؟ بل: كم من التصعيدات يمكن أن يمنعها بمجرد وجوده؟
فإذا نجح التحالف في تطوير مؤسساته، وتعميق التعاون بين أعضائه، وتوسيع دائرة شراكاته، فقد يتحول إلى عنصر مؤثر في معادلة الأمن الإقليمي، ليس فقط بقدرته العسكرية، وإنما بقدرته على إعادة تعريف حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء.
المعركة لم تبدأ بعد… لكن إعادة التموضع بدأت.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم: «حلف مكة» لم يقلب الطاولة لأنه دخل الحرب، وإنما لأنه دفع الآخرين إلى تحريك قطعهم على الرقعة قبل أن تبدأ الحرب أصلًا.




