بقلم: د. جمال الملا
ليست القهوة مجرد مشروب يومي يوقظ الحواس، ولا عادة صباحية عابرة ترافق البيوت والمكاتب والمجالس، بل هي واحدة من أكثر الظواهر الثقافية والاجتماعية تأثيرًا في تاريخ العالم. فمن نبات بريّ نبت في شرق أفريقيا، تحولت القهوة إلى مشروب عالمي، ثم إلى سلعة اقتصادية كبرى، ثم إلى طقس اجتماعي وثقافي متجذر في حياة الشعوب. وحين نتأمل رحلة القهوة، فإننا لا نقرأ فقط تاريخ مشروب، بل نقرأ تاريخ التجارة، والمدينة، والمجالس، والنقاشات، وحتى الجدل الديني والاجتماعي.
يرجّح المؤرخون أن الأصل النباتي للقهوة يعود إلى مرتفعات كافا في إثيوبيا، حيث نمت أشجار البن برية منذ قرون طويلة. أما الروايات الشعبية التي تتحدث عن اكتشافها، مثل قصة الراعي الذي لاحظ نشاط ماشيته بعد أكل ثمار البن، فهي وإن كانت مشهورة، تبقى أقرب إلى الحكاية المتداولة منها إلى التوثيق التاريخي القاطع. لكن الثابت بدرجة أكبر أن القهوة كمشروب تبلورت على نحو واضح في جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن، في القرن الخامس عشر، حيث وُضعت تحت الزراعة المنظمة وأخذت شكلها المعروف في الاستعمال اليومي.
وفي اليمن، بدأت القهوة تأخذ مكانها في الحياة الدينية والاجتماعية، خاصة في بعض الأوساط الصوفية التي استخدمتها للمساعدة على السهر والذكر والتركيز. ومن هناك ارتبطت القهوة بميناء المخا الشهير، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز الأسماء في تاريخ تجارة البن العالمية، حتى إن اسم “موكا” بقي حاضرًا في الذاكرة التجارية والثقافية إلى اليوم. وهنا يمكن القول إن اليمن لم يكن مجرد محطة عبور في تاريخ القهوة، بل كان المكان الذي منحها هويتها الأولى كمشروب متكامل.
ومن اليمن، عبرت القهوة إلى الحجاز، فوصلت إلى مكة والمدينة، ثم إلى بقية مناطق الجزيرة العربية. وساعدت حركة الحج والتجارة واختلاط الناس من بلدان مختلفة على انتشارها سريعًا. ومع ازدياد الإقبال عليها، لم تعد القهوة مجرد شراب منبه، بل أصبحت جزءًا من المجالس والضيافة والحياة الاجتماعية. وتشير المصادر إلى أن أماكن اجتماع الرجال لشرب القهوة والحديث واللعب كانت شائعة في مكة في أوائل القرن السادس عشر، ما يجعل البيئة المكية من أوائل البيئات التي عرفت البدايات الفعلية لثقافة المقهى، حتى إن لم يصلنا اسم أول مقهى فيها بوثيقة قاطعة.
ومن المهم هنا تصحيح معلومة شائعة كثيرًا، وهي القول إن أول مقهى في العالم، المعروف باسم كيڤا خان، تأسس في القسطنطينية سنة 1475م. الروايات الشعبية والسياحية تردد هذا التاريخ، لكن المصادر المرجعية التي يُعتد بها تاريخيًا ترجّح أن أول مقهى موثّق ومشهور في إسطنبول افتُتح سنة 1555م على يد رجلين من دمشق. وقد ذاع صيته حتى سُمّي “أكاديمية العلماء” لكثرة من كان يرتاده من الأدباء والوجهاء وأهل النقاش. لذلك فالأدق تاريخيًا أن نقول: البدايات الأولى للمقاهي كانت في العالم الإسلامي قبل أوروبا، أما أول مقهى إسطنبولي موثّق على نحو واضح فكان سنة 1555م، لا 1475م.
ثم انتقلت القهوة إلى مصر وبلاد الشام والعراق والأناضول العثماني، وهناك تطورت ثقافة المقاهي بصورة أوسع. وأصبحت المقاهي ليست فقط أماكن لشرب القهوة، بل فضاءات عامة للنقاش، واللقاء، وقراءة الأخبار، وسماع الحكايات، وتبادل الآراء. ولهذا ارتبطت القهوة منذ بدايتها بالحياة العامة، ولم تكن مجرد مشروب فردي أو منزلي. ومن إسطنبول تحديدًا أخذت صورة المقهى الحضري تتكرس بوصفه مؤسسة اجتماعية وثقافية لها حضور مؤثر في المدينة.
أما في أوروبا، فقد دخلت القهوة تدريجيًا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبدأت المقاهي تظهر تباعًا في المدن الكبرى. وتذكر الموسوعات التاريخية أن القهوة انتقلت إلى بلد أوروبي بعد آخر خلال هذين القرنين. وتُعد البندقية من أوائل المدن الأوروبية التي عرفت المقاهي في 1645م بحسب الرواية التاريخية الشائعة، ثم ظهرت المقاهي في أكسفورد بإنجلترا في خمسينيات القرن السابع عشر، ومن أشهرها Queen’s Lane Coffee House الذي يُنسب عادة إلى سنة 1654م. وهكذا انتقلت فكرة المقهى من الشرق الإسلامي إلى أوروبا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى ظاهرة عالمية.
ومع التوسع التجاري والبحري، انتقلت زراعة البن إلى مناطق كثيرة من العالم، خصوصًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتشير الموسوعات إلى أن انتشار الزراعة خارج اليمن تسارع في القرن السابع عشر إلى جاوة وجزر أخرى من الأرخبيل الإندونيسي، ثم إلى الأمريكيتين في القرن الثامن عشر. ومن هنا تحولت القهوة من منتج إقليمي إلى سلعة عالمية ضخمة، وظهرت معها مدارس متنوعة في التحضير والتقديم، مثل القهوة العربية، والتركية، والإيطالية، والفرنسية، والأمريكية، وغيرها.
لكن القهوة، رغم انتشارها السريع وشعبيتها الواسعة، لم تسلم في بداياتها من الجدل والاعتراض. فقد أثارت عند ظهورها تساؤلات فقهية واجتماعية، لأن الناس واجهوا مشروبًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل، وارتبط في الوقت ذاته بالمقاهي والتجمعات والنقاشات العامة. وتشير المصادر إلى أن السلطات الإسلامية في بعض المراحل رأت القهوة مشروبًا “مُسكرًا” بالقياس الخاطئ، فحُظرت في بعض المواضع، كما أُغلقت بعض المقاهي في مكة سنة 1511م بدافع الاعتراض الديني والاجتماعي، لكن هذا المنع لم يدم طويلًا.
وفي العهد العثماني أيضًا، لم يكن الجميع متحمسًا لانتشار القهوة؛ فقد رأت بعض السلطات أن المقاهي أماكن خصبة لتبادل الأخبار والآراء والانتقادات، ولذلك وقع تضييق أو منع في بعض الفترات. ومع ذلك، لم تستقر هذه المواقف طويلًا، واستمر انتشار القهوة والمقاهي. ومع مرور الوقت، استقر الرأي العام والفقهي على أن القهوة ليست مسكرًا، وأنها مباحة في الأصل ما دامت لا تقترن بمحرم آخر ولا تؤدي إلى ضرر ظاهر. وهكذا تراجع الجدل الأول، وانتقل الناس من الشك فيها إلى جعلها جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية والضيافة والثقافة.
ومن هنا، فإن القهوة ليست مجرد شراب انتشر بسبب مذاقه أو أثره المنبه فقط، بل لأنها ارتبطت منذ البداية بالحياة الاجتماعية، وبالمجلس، وبالحديث، وبالمدينة، وبالناس. ولهذا ظلت حاضرة في كل زمن، وتكيّفت مع كل بيئة، من الزوايا الصوفية في اليمن إلى مجالس مكة، ومن مقاهي إسطنبول إلى مقاهي البندقية وأكسفورد، ثم إلى المقاهي الحديثة في كل عواصم العالم.
وفي النهاية، يمكن تلخيص رحلة القهوة في مسار حضاري واضح: أصل نباتي في إثيوبيا، وتحول حاسم في اليمن، وانتشار مبكر في مكة والعالم الإسلامي، ثم توثيق حضري بارز للمقاهي في إسطنبول سنة 1555م، فالانتقال إلى أوروبا في القرن السابع عشر، ثم إلى العالم كله. وبين هذه المراحل، مرت القهوة أيضًا بمحطات من الجدل والتحريم المؤقت قبل أن يستقر أمرها بوصفها مشروبًا مباحًا ومحبوبًا وعالميًا. وهكذا لم تعد القهوة مجرد فنجان يُشرب، بل أصبحت ذاكرة حضارية كاملة، تختصر في رائحتها شيئًا من التاريخ، وفي مذاقها شيئًا من الإنسان.




