بقلم: باسيديا درامي
لا يُحيي يوم إفريقيا ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في الخامس والعشرين من مايو عام 1963 فحسب، بل يحتفي أيضًا بالاستقلال الذي انتزعته معظم الدول الإفريقية بعد نضالٍ مرير خلال تلك المرحلة التاريخية. وقد ارتفعت آنذاك الآمال بأن يفتح الحكم الذاتي آفاقا جديدة من التنمية والازدهار لقارة أنهكتها قرابة أربعة قرون من تجارة الرقيق عبر الأطلسي والاستعمار الوحشي. فقد اقتُلع ملايين الأفارقة قسرًا إلى مزارع بعيدة في القارة الأمريكية، بينما نُهبت الثروات الطبيعية الهائلة للقارة بصورة ممنهجة، ما خلّف إفريقيا فقيرة ومتأخرة تنمويًا على نحو بالغ.
غير أنّ تلك الآمال سرعان ما تبددت وتلاشت: فالنخب التي تسلمت مقاليد الحكم بعد الاستقلال، بدلًا من وضع استراتيجيات حقيقية لتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي، تعاملت مع الدولة ومواطنيها باعتبارهما إقطاعيات خاصة. فأغرقت نفسها وحاشيتها في الثراء على حساب الشعوب، وعجزت عن بناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة. كما أنها ورثت البُنى الإدارية الاستعمارية التي ركّزت التنمية الرمزية في المراكز الحضرية وأهملت المناطق الريفية، فكرّست بذلك هشاشة الحكم في أجزاء واسعة من الأرياف. ولا تزال مجتمعات ريفية كثيرة تشعر بالتهميش والانفصال عن الدولة، وهي ظروف حوّلت بعض مناطق القارة إلى بيئات خصبة للإرهاب والتمرد والجريمة المنظمة.
لقد خلّف الاستعمار اقتصادًا إفريقيًا مدمّرًا. فبعد نهب الموارد الطبيعية دون بناء قاعدة صناعية حقيقية، ترسّخ الفقر بصورة عميقة. وبدلًا من إعادة بناء اقتصاداتهم الوطنية، لجأ كثير من القادة الأفارقة إلى القوى الاستعمارية السابقة طلبًا للمساعدات والقروض، ما أدخل القارة في قبضة الاستعمار الجديد بصورة أعمق. وتجسّد مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذا الواقع بوضوح. واليوم، ترزح معظم الدول الإفريقية تحت أعباء ديون ثقيلة، ما يجبر الحكومات على تقديم خدمة الديون على الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والكهرباء والبنية التحتية.
أما أنظمة التعليم الموروثة من الحقبة الاستعمارية، فما تزال قاصرة عن تلبية متطلبات العصر. فقد ركّزت أساسًا على محو الأمية التقليدية — القراءة والكتابة — على حساب تنمية التفكير النقدي والبحث العلمي والمهارات التقنية. وحتى اليوم، كثيرًا ما يُقاس مستوى التعليم بمدى الطلاقة في اللغات الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية. ونتيجة لذلك، ما تزال إفريقيا مستهلكة للتكنولوجيا أكثر من كونها منتِجة لها. كما جرى تهميش اللغات الإفريقية، بينما تواصل اللغات الاستعمارية هيمنتها على التعليم والإدارة. وهذا لا يعمّق الانفصال عن الثقافات والقيم والتقاليد المحلية فحسب، بل يرسّخ أيضًا استعمارًا ذهنيًا عميقًا.
وكما أشار الكاتب والمفكر الكيني نغوغي وا ثيونغو، فإن الاستعمار الذهني يظل أحد أكبر تحديات إفريقيا حتى بعد ما يُسمّى بـ«استقلال العلم». فما يزال كثير من الأفارقة مفتونين بكل ما هو أوروبي، في مقابل التقليل من قيمة معارفهم وممارساتهم وهوياتهم الأصيلة. فما زالت البدلة وربطة العنق تُعتبران رمزًا للزي الرسمي، وما تزال اللغات الاستعمارية لغات السلطة والنفوذ، كما تهيمن الأسماء الأوروبية على الشوارع والمدن والمعالم، وتظل القوانين الاستعمارية راسخة في أنظمتنا القانونية.
إن الإخفاق المستمر في مراجعة هذه البُنى الموروثة وتفكيكها بصورة نقدية دفع عددًا من المفكرين والباحثين إلى الدعوة لاستعمارٍ مضادٍّ ثانٍ؛ يتجاوز مجرد الاستقلال السياسي نحو تحرير اقتصادي وثقافي ونفسي حقيقي.
فلنجعل من يوم إفريقيا هذا صرخةً متجددة من أجل استعمارٍ مضادٍّ حقيقي، قائم على الإرادة الإفريقية، والهوية الإفريقية، والابتكار الإفريقي، وحق الشعوب الإفريقية في تقرير مصيرها بنفسها.
عيد إفريقيا سعيد!






