د.أسعد السحمراني
تهلّ السنة الهجرية الشريفة (١٤٤٨) على واقع مأزوم، وحروب عنصرية تطهيرية صهيوأمريكية، وآفاقون يسعون لنفخ سموم الفتن، وبالمناسبة يتوجّه منسّق عام المؤتمر الشعبي اللبناني الدكتور عدنان أحمد بدر بالتهنئة والتبريك للجميع بالسنة الهجرية الجديدة في لبنان والوطن العربي والعالم الإسلامي، ويدعو المعنيّين إلى الوقوف أمام هذه المناسبة العظيمة لاستقاء الدروس والعبر منها، ومن هذه الدروس التي تشكّل العلاج لكثير من مشكلات واقع هذه الأيام، الأمور الآتية:
(١)- كانت الهجرة الأولى عندما وجّه النبي عليه الصلاة والسلام مجموعة من الصحابة، كان في مقدمتهم سيدنا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، كي يهاجروا إلى بلاد الحبشة التي يحكمها النجاشي المسيحي، وقال لهم: “إذهبوا إلى أرض الحبشة فهي أرض صدق، وفيها حاكم لا يظلم عنده أحد”.
دروس هذه المحطة هي:
أ- ودّ إسلامي مسيحي، نصّت عليه الآية القرآنية {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.}
ب- العدل بوصفه من مرتكزات الاستقرار في المجتمع، والحبشة فيها ملك لا يظلم عنده أحد، وهذا يملي على كل مؤمن أن يلتزم العدالة في ممارساته في كل شؤون المجتمع والدولة والحياة العامة.
ج- هذه الهجرة كانت من مجتمع مدينة مكة إلى بلد مستقر، ولم تكن إلى صحراء أو برية بعيدة طلباً للسلامة، لأنّ الأصل أن يحيا الإنسان في اجتماع بشري مستقر.
(٢)- كانت الهجرة التي نحتفل بها اليوم هجرة أكبر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة (يثرب)، وكان الدرس الأول أنّ خروج النبي عليه الصلاة والسلام قد ظهرت معه اسمى مشاعر الوطنية، والحديث النبوي الشريف هو: “ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك.”
(٣)- الدرس الثاني هو الاستعداد للتضحية، حيث خرج من خرج غير مبال بالمخاطر من عدوانية المشركين، وبقي من طلب منه وكان كذلك غير آبه بعدوانية المشركين، لأنّ المقصد عند الجميع مرضاة الله تعالى.
(٤)- الدرس الثالث كان الأخوّة، حيث كان الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار والمهاجرين: “تآخوا في الله أخوين أخوين.” وفي الآية الكريمة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. فهل سيلتفت دعاة التعصّب والتطرّف والفتن إلى هذا إلى الدرس؟.
(٥)- إن الهجرة النبوية الشريفة كانت وستبقى محطة من المحطات الرئيسة في إشاعة الإيمان الديني والتوحيد وتبعاً النهوض والتقدم نحو وحدة أراضي المدينة، ومن الدروس التأسيسية للمواطنة الصالحة “الصحيفة” وهي الدستور والميثاق الوطني للمجتمع في المدينة المنورة بين المسلمين و غير المسلمين، وهذه الصحيفة كانت أوّل دستور يؤسّس لمجتمع متنوّع تتعدّد انتماءات أبنائه، وهذا يبيّن منهج الفقه السياسي الإسلامي الطارد للفكر الفئوي وللتعصّبات الرديئة.
(٦)- إرساء منهج المأسسة حيث كان بعد الاستقرار شراء (بئر أرومة)؛بوصف الماء من أهم المرافق العامة، ثمّ بناء المسجد النبوي في المدينة الذي لم يكن للعبادة فقط، بل للقاء والشورى والتخطيط والإدارة، وللتصالح، وكما معلوم من كتب السيرة فقد استقبل فيه نبي الرحمة وفد نصارى نجران مع اسقفان وأعطاهم عهد أمان هو ميثاق للعلاقة حبّذا لو اعتمدته الدول اليوم ميثاقاً عالمياً، وقد حان وقت صلاة الضيوف فأشار لهم كي يصلوا في مسجده متّجهين إلى بيت المقدس، فهل هناك مسار للتصالح والوحدة الوطنية، واحترام ما عليه غيرك، أبلغ من هذه الواقعة؟
(٦)- مأسسة التضامن الاجتماعي، والعمل الخيري والتطوعي، حين أشار النبي عليه الصلاة والسلام على الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه كي يطلق مسار العمل الوقفي من خلال وقف “أرض في خيبر” كانت أنفس ماله، و لبّى الفاروق الأمر النبوي فوقف الأصل مع تسبيل المنفعة، أي أنّ الوقف لا يورث ولا يُباع، وما ينتج منه عام المنفعة للمحتاجين، وكان أبو طلحة الأنصاري قد أوقف بيرحاء أو بئر حاء، وهو من أعذب ماء الشرب في المدينة، وموقعه اليوم داخل الحرم النبوي.
(٧)- بعد الإستقرار في المدينة المنورة وامتلاك بعض إمكانات المقاومة للشرك وأعداء الدين، كان الأمر ببدء الحرب، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}، بعد ذلك كانت السرايا والغزوات، وفي الحديث النبوي: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.” وهذا الأمر ماض في الأمة…
وختم بدر: أدعو الجميع للأخذ من دروس الهجرة النبوية في سبيل تصحيح المفاهيم و المناهج، وهي دروس للجميع من المواطنين اللبنانيين والعرب والمسلمين من أجل بناء وطن حر تسوده العدالة، ويكون المواطن فيه حراً وكريماً، وتنتفي الفتن، وتكون جبهته الداخلية متينة ووحدته الوطنية راسخة.
مكتب الإعلام المركزي في المؤتمر الشعبي اللبناني
الاثنين ١٥-٦-٢٠٢٦




