رضا الشاط
من أكثر الأمور التي دفعتني إلى إعادة التفكير في كثير من المفاهيم، أن أعيش في مجتمع يختلف عني في الدين والثقافة وطريقة الحياة، ثم أكتشف أن هناك أناسًا لا يدينون بالإسلام، لكنهم يمارسون من الأخلاق والسلوكيات ما يدفعك إلى التوقف أمام نفسك والتساؤل: هل فهمنا ديننا حقًّا، أم اكتفينا بالانتساب إليه؟
هنا، في هولندا، حيث أعيش فيها منذ ما يزيد على عقدين، ترى مظاهر تستحق التأمل؛ احترام القانون، والالتزام بالمواعيد، وصيانة حقوق الآخرين، وعدم الاعتداء على حقوق الناس حتى في غياب الرقابة، والتعامل مع الإنسان باحترام دون أن يكون دينه أو أصله أو معتقده شرطًا لذلك.
بالطبع، هولندا ليست جنة على الأرض، ولا يخلو مجتمعها من التمييز والتعصب والمشكلات. لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بالجوانب الإيجابية حيثما وجدناها، وأن نتعلم من التجارب الناجحة بدلًا من رفضها لمجرد أنها جاءت من مجتمعات تختلف عنا.
وهنا يبرز سؤال مهم:
كيف لدينٍ علّمنا أن الأمانة فضيلة، وأن العدل واجب، وأن الظلم محرّم، وأن حسن الخلق من أعظم القيم، ثم نجد بعد ذلك هذه الفجوة الواسعة بين تعاليمه وبين سلوك بعض المنتسبين إليه؟
لدينا آيات نتلوها عن العدل، وأحاديث نسمعها عن الرحمة، ومواعظ كثيرة عن الأمانة وحسن المعاملة. لكن هل تتحول هذه القيم إلى سلوك يومي في أعمالنا، وتجارتنا، وعلاقاتنا، وطريقة تعاملنا مع من يختلفون عنا؟
هل نؤدي حقوق الآخرين كما نطالب بحقوقنا؟ وهل نلتزم بالأمانة حين لا يرانا أحد؟ وهل نعامل الناس بالعدل حتى عندما لا تجمعنا بهم عقيدة أو ثقافة أو مصلحة مشتركة؟
إن المشكلة ليست في الإسلام، وإنما في المسافة التي قد تتسع بين تعاليمه وسلوك بعض المسلمين.
فقد تتعلم درسًا في الأمانة من شخص يختلف عنك في الدين، ودرسًا في احترام الإنسان من شخص يختلف عنك في الثقافة، ودرسًا في الالتزام من مجتمع لا يشاركك معتقداتك.
وليس في ذلك انتقاص من دينك، ولا تنازل عن هويتك، بل هو اعتراف بأن الحكمة لا تُرفض بسبب هوية صاحبها، وأن الأخلاق لا تفقد قيمتها لأن من يمارسها لا ينتمي إلى دينك.
أنا لا أرى أن علينا تقليد الغرب في كل شيء، ولا أعتقد أن المجتمعات الأوروبية خالية من العيوب. لكنني أؤمن بأن النضج الحقيقي يبدأ حين نعترف بالصواب حتى لو وجدناه عند غيرنا، ونمتلك الشجاعة لمراجعة أنفسنا بدلًا من الاكتفاء بانتقاد الآخرين.
فالدين ليس مجرد اسم نحمله، أو شعائر نؤديها، أو هوية ندافع عنها بالكلمات؛ بل هو أيضًا أثر يظهر في أخلاقنا، وعدل نمارسه، وأمانة نحافظ عليها، وحقوق نصونها، ورحمة تشمل الناس من حولنا.
ليس كل من انتسب إلى دين قد جسّد أخلاقه، وليس كل من اختلف معك في الدين بعيدًا عن القيم الإنسانية.
وربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه هو:
لو حكم الناس على الإسلام من خلال أخلاقي أنا، فماذا سيعرفون عنه؟
هذا السؤال، في رأيي، يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا.




