أخبار

وداعا لعام 2022 ..

بقلم جبريل لي السماوي

كان عاما أغلقتْ الحياة فيه صمامات التّعاطف مع الانسان، وكشفت للكون وجها آخر مغايرا تماما للّتي كانت تُداعب بها أوجاع الكائنات. وجها بلا قطرة ماء، ولا ملامح ناعمة. وجها شبيها بذلك الوجه الخشن الذي كان مصدر الرّعب، والانتكاس، ما قبل نزول رسالات السماء، وفي العصور الوسطى.
كانت فيها بقايا الوباء ( كورونا) تعبث بمزاج السّعادة، واللذّة، والسّياحة، وتركت كلّ اقتصادات دُول العالم مشلولة عارية. فصارت هذه الأراضي التّعسة جدباء، مثل ساحات أوروبا، قبل ميلاد -مشروع مارشال- الذي أخرجها من تداعيات الحرب، ورفعها من تحت الأنقاض والرّكام.
كان العالم يضجّ بالحروب، وبالتّناقضات، وازدواجيّة المعايير( ولا زال العالم أعمى) حيث أنّ الغرب طلب من الجماهير البُكاء، ورسم الأسى، بريشة الانسانيّة، من أجل اختراع الترياق، وجرعة الأمل، لأطفال أكرانيا. وفي الجهة المُقابل، كانت طبول الغرب تدقّ لجنديّ الاحتلال، وتصفّق له تصفيقات حارّة، تحفيزا له، وهو يصنع تابوت الموت، لأحلام الأطفال، هناك في فلسطين التّي لم تقبل القوى الدّوليّة، وصُناع القرارات السياسية، المُصالحةَ معها لحدّ الآن.

متى سيعلم قادة هذا العالم الكئيب، أنّ الحرب ليست عبارة عن مجرد طلقات نار، ودخان، وليس مجرّد نافذة لكسب مصالح استراتيجية، بل الحرب دماء منتشرة، ودموع مسكوبة. ضياع وفناء، ظلّ مهتز، وشجرةٌ باكية. أحلام مخنوقة وأمنيات متناثرة. في ساحات القتال، يختفي الحُبّ تحت الركام.تحت دويّ القصف، لا مفرّ من توريط الكراهية.في الحرب أنقاض ومهازل، وماء آسن، وبيوت يائسة، وطفلة تختبئ خلف متراس البراءة.
كان قلبُ الانسانيّة يرتعش فيها، ويذرف الدّموع إلى حدّ الفيضان، لأنّ الانسان أراد الإفراط بالنّسل، تحت شعارات فارغة، وألوان عمياء. وفكّر بوأْد الأديان التي كانت تضبط سلوكيات البشر. وتعطيهم الأفيون الذي تحتاج إليها الأرواح الظامئة، للهروب من جدب الوجع، ومن العذاب الداخلي. فيها تمّ اغتيال مكارم الأخلاق، لكن لم تُدفن لحدّ اللحظة، لأنّ القتلة يخافون من أن يُواروا التّراب عليها، فترجع إلى السّماء بعد الدّفن، وتخبر الله بتفاصيل الجريمة، وبكلّ شيء، فينتقم لها .

كان الانترنت ( وما زال ) يصنع في عالم الافتراض، مشاهير مُزيّفين، بعضهم دخل عالم حضانة الأسطورة، ومشى فيه كسلطان هاذئ. عبيد الشهرة ما بعد العولمة؛ ذئاب شريدة، تتأرجح بين عالمين، وترتجل في عوائها حروبا خاطفة. هؤلاء المشاهير الذين خطفوا بطاقة الأسطورة من اللاشيء، توهّموا أنّهم كلّ شيء، بسبب اغراءات سوسيال ميديا، وبسبب تقديس الخرافة، داخل هذا العالم الغارق في صمت الظلام.

في سنة (2022 ) كان الموت يأتي بدون الهبوط في المطارات، يأتي بغتةً ليخطف أحبابنا، ولا نستطيع فعل شيء لأجل إنقاذهم من براثين سكرات الموت، بسبب هول الموقف، وشدّة الذّهول. في هذه السّنة ذهب الكثير من العظماء، والعلماء، إلى عالم الخلود والسكينة، وسافروا رحلة اللاعودة إلى السّماء. صمت فيها الكثير من الأقلام، واسترح الكثير من الأوجاع. لقد اشتقتُ لك كثيرا يا القرضاوي، إلى محاضراتك المكتظّة بالعرفان، ومقاصدك المليء بالأنوار . إلى بشاشة وجهك يا الامام عليّ بدر اندو ، اشتقتُ إلى هيئتك العظيمة وأنت تقف جانب صفوف الشّعب، ضدّ الطغاة والطّغيان، تصدع بالحقّ صدعا. إلى شيخي المفسّر العملاق مصطفى غيْ، أخبرني هل رأيت صديقك ابن كثير، وسميرك الطبري؟ . لك مغفرة من الإله يا مولاي الشيخ عبد الرّحمان امباكي، أيّها الصّوفي الجميل الذي رحل بدون ضجّة، ونام بهدوء .إلى جدّتي ميمونة أجمل نساء الكون، كانت المحامية الوحيدة لي في محكمة الأسرة، لمّا أرادت الوالد أن يجعلني تاجرا، فصرخت بأندى صوت ، صوت مليء بالحبّ والعطف والحنان، ثمّ قالت : جبريل وُلد للقراءة ، ولرسم الأبجديّة على الورقة. شكرا لك بحجم القصيدة يا جدتي ميمونة.

في هذه السّنة اكتشفتُ بأنّ القراءة من أكبر أسباب الغرق في بحار الألم والتّيه. نحن كلّما نزداد معرفة كلّما نزداد خوفا وإدبارا . يا حبّذا لو لم أقرأ ولا كتابا واحدا. فالمعرفة مزيج من النّور، والهدوء، والخوف من خبايا الحياة. لأجل ذلك لا أورّط أحدا بذكر الكتب التي قرأتها في السّنة. سأكتفي بالقول أنّني قرأتُ كثيرا، وخفتُ من تفاصيل الحياة أكثر، وأصبحتُ هادئا جدّا.في القراءة والرّحلة إلى عالم المعرفة، تذهب للعثور على ذاتك ، فتضيع هُناك وتبحث عن البوصلة، للرّجوع إلى المحطّة الأولى فلا تفلح يا صديقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ماشاءالله عليك أحسنت صنعا بورك فيك يا جبريل أمين
    ليكن النجاح حليفكم في كافة المشروعات
    الله يجزيكم الخير والعافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: