actualite

ندوة المندوبية العامة للشؤون الدينية: الشباب ، الرياضة ، الروحانية..كيف نربي القوة حتى لا تتحول إلى طغيان

أقامت المندوبية العامة للشؤون الدينية، التي يديرها الدكتور جيم درامي، اليوم ندوة تحت عنوان: “الشباب، الرياضة، الروحانية في قلب الألعاب الأولمبية”.

وقد أحيا هذه الندوة مجموعة من الخبراء والأكاديميين والأئمة ورجال الكنيسة، بمشاركة ممثلي الأسر الدينية في السنغال، وركز المحاضرون على أهمية الرياضة البدنية في جميع الأديان السماوية، وعلى دورها في تهذيب الشباب وبناء الإنسان المتوازن.

وفيما يلي نص مساهمة الشاعر والأديب بن سالم با في هذه الندوة

كيف نُربي القوة حتى لا تنقلب إلى طغيان؟

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد المفوض العام للشؤون الدينية، السادة ممثلو مؤسسات الدولة، أصحاب المقامات الدينية والعلمية، أيها الشباب الكرام، السيدات والسادة، الحضور المبارك،
هذا اللقاء يجمع بين ثلاثة أركان لا تقوم حضارة بدونها: الشباب، والرياضة، والروحانية. ونحن لا نقف هنا لنلقي كلمات عابرة، بل لنستعيد معاً سؤالاً قديماً جديداً:
كيف نُربي القوة حتى لا تنقلب إلى طغيان؟ وكيف نُترجم الإيمان حتى لا يبقى شعاراً بلا أثر؟
لقد بنى الشيخ الأكبر الحاج محمد بن سعيد مدينة غناس على مشروع واحد واضح: بناء الإنسان قبل بناء الجدران. ولقد كان شابًّا يومها (1936) إذ لم يكن عمره يتجاوز ستة وثلاثين عاماً. ومع ذلك، فقد كان يقول في مجالسه: إن أعظم ما يشغل المربي – أو ما يجب أن يشغله – ليس كثرة الأبنية والأتباع، وإنما صلاح القلوب أو الأفئدة. لأن الإنسان إذا صلح استقامت القوة في يده، وإذا فسد انقلبت أعظم أسباب التقدم إلى وسائل فساد.
وكان يؤكد أن الإيمان ليس معرفة تُحفظ في الصدور فحسب، بل حقيقة تُعاش في الجوارح. يقول رضي الله عنه: «إذا امتلأ الإيمان بالله في قلب الإنسان وتكاملت عناصره، فإن كمال الإيمان سيكون مرادفاً لكمال محبته لله وخوفه منه، وهذا هو الضمان الطبيعي لصلاح القلب والجوارح معاً». فكل نقص يظهر في السلوك أو في العمل إنما يعود، في نظره، إلى نقص في هذا الإيمان أو مرض فيه.

ومن هنا طرح هذا السؤال مرارا أثناء هذه الندوة: ليس كافيا كيف نصنع شباباً أقوياء فحسب، بل كيف نصنع شباباً أقوياء وأمناء؟ ذلك لأن القوة بلا أمانة سلاح في يد غير مأمون، والمهارة بلا أخلاق طريق إلى الاستعلاء، والنجاح بلا مسؤولية باب إلى الفساد. أما حين تجتمع القوة مع الأمانة، والمهارة مع الأخلاق، والنجاح مع المسؤولية، فإن الإنسان يصبح نعمة لا نقمة، وبناءً لا هدماً، وخدمةً لا سيطرةً.
إن الرياضة، في جوهرها التربوي، مدرسة كبرى لتهذيب القوة. وهي ميدان يتعلم فيه الشباب الصبر على المشقة، والانضباط أمام القانون، واحترام الخصم، وقبول النتيجة، والثبات حتى بلوغ الغاية. وهذه المعاني – في صورتها المضيئة – تمثِّل سدى ولحمة القيم التي كان الشيخ يربي عليها أتباعه في مجالسه. فقد كان يرى أن المجاهد في تهذيب نفسه يشبه الرياضي في تدريبه: كلاهما يعلم أن الثمرة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُنال بالتدرج والصبر والمجاهدة. وإذا كانت الرياضة تقوّي العضلات وتعلّم التحكم في الجسد، فإن التربية الإيمانية تقوّي الضمير وتعلّم التحكم في الهوى والغضب والكبر.
وحين يلتقي المساران يولد الإنسان المتوازن: جسد قوي لا يطغى على العقل، وعقل مستنير لا ينفصل عن القلب، وإنجاز ظاهر لا ينفصل عن قيمة باطنة.
وفي هذا السياق، بيّن الشيخ في مجلسه «طهارة الإيمان» طريق الطهارة التي تصل الجسد بالقلب والقوة بالأخلاق: طهارة الجسد والثوب والمكان من الخبث، ثم طهارة الحدث، فطهارة الأخلاق من بغض المسلمين والكبر والنفور من أوامر الله، وتزكيتها بمحبة الله ورسوله والمسلمين وإرادة الخير لهم. ثم طهارة المعاصي بترك المنهيات والإقبال على الأوامر بأريحية. وباجتماع هذه الطهارات تُفتح أبواب الطهارة الكبرى: تنقية القلب من كل ما سوى الله. فالجسد الطاهر أداة، والأخلاق المزكَّاة ضابط يحوّل القوة من احتمال الضرر إلى ضمان النفع، والقلب النقي غاية؛ ومن دون هذه الطهارات تبقى القوة ناقصة مهما بلغت.
إننا لا ننظر إلى الشباب باعتبارهم فئة عمرية تمر وتنقضي، بل باعتبارهم أمانة حضارية تُحمل. فكل أمة تنظر إلى شبابها إنما تنظر إلى غدها. ولذلك فإن واجبنا لا يقتصر على فتح أبواب المنافسة أمامهم، بل يتجاوزه إلى غرس المعنى الذي يجعل المنافسة نافعة. فالغاية ليست أن نُخرّج جيلاً قادراً على الوصول إلى القمة فحسب، بل أن نُخرّج جيلاً يعرف لماذا يصعد، ولماذا كان الارتقاء ضروريًّا، ولماذا يحسن أن يبقى مستقيماً وهو على القمة. لأن القمة التي تُبلغ بلا استقامة سرعان ما تتحول إلى هاوية سحيقة.

إن العالم اليوم يشهد اتساعاً هائلاً في قدرات الإنسان، لكنه لا يشهد دائماً اتساعاً مماثلاً في إحساسه بالمسؤولية. ومن هنا تشتد الحاجة إلى خطاب يعيد وصلَ القوة بالفضيلة، والنجاحَ بالخدمة، والإنجازَ بحسن المقصد.

وهذه هي الرسالة التي حملها الشيخ الأكبر في مجالسه: أن الإيمان إذا صدق دفع إلى العمل، وأن العمل إذا خلص طهّر القوة، وأن القوة إذا تُهذبت بالأخلاق أصبحت رحمة خالصة.
إننا نأمل أن تكون هذه الألعاب الأولمبية للشباب فرصة تاريخية لنُظهر للعالم أن السنغال لا تنظم حدثاً رياضياً كبيراً فحسب، بل تقدم نموذجاً في التربية المتكاملة: تربية تربط الجسد بالقلب، والقوة بالأخلاق، والإيمان الصحيح بالعمل الصالح.

ونرجو أن يخرج شبابنا من هذه المناسبة أقوى في أبدانهم، وأنور في عقولهم، وأصفى في قلوبهم، وأقوم في أخلاقهم، وأتمَّ وعياً وانسجاماً مع روحانية مرجعياتهم الدينية؛ وأن يكونوا، كما كان الشيخ الأكبر وخليفته – طول الله عمره – يرجوان لأهل غناس والسنغال، بل والدنيا جمعاء، قوةً للبناء لا للهدم، وعاملَ جمع لا عامل فرقة، ومصدراً للأمل لا لليأس، ووسيلةَ شكر للخالق لا للاستعلاء على مخلوق.

نسأل الله تعالى أن يبارك في جهود الدولة السنغالية والقائمين على هذا المشروع، وأن يحفظ شبابنا، وأن يجعل هذه الندوة سبباً في صلاح القلوب والأجساد معاً، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل، وأن ينزل الأمن والأمان في بلادنا وسائر بلاد المسلمين والعالم أجمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى