مقالات

..من وحي البطولة

د. أحمد سيك

الحلقة الثانية:
ليس من السهل الفوز ببطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم؛ خاصَّة في هذا الزمان الذي قد تطوَّرت فيه قواعد اللعبة كثيرا، وصار اللاعبون أكثر نضجا ولياقة بسبب توفر آلات الرياضة المعاصرة، والمعدات البدنية الحديثة، والمدافعون أصبحوا أكثر شراسة ومهارة في استخلاص الكرات الثنائية وقطع التمريرات الحاسمة، وبات الوقوف على مواطن القوة ومظاهر الضعف للفريق الخصم سهلا ميسورا بفضل التسجيلات والفيديوهات التي يمكن أن تُستغلَّ – من قبل المدربين والطاقم الفني- للتجسس والاستعداد التكتيكي الجيد لكل مباراة.
وجميع الفرق سواسية في هذا كأسنان المشط.
من أجل ذلك فإن الفوز بالبطولة يحتاج إلى شيء آخر يندفع من القلب؛ كالعزيمة والإصرار والرغبة الأكيدة والشجاعة.
وهذا ما ظهر جليا في منتخبنا الوطني (السنغال) ؛ ففي مباراة الثمن النهائي ضد منتخب رأس الأخضر قفز اللاعب (ساجو ماني) عاليا لاستقبال تمريرة هوائية أتت نحو العمق فارتطم رأسه برأس الحارس المنافس فسقط على الأرض بطريقة خطيرة كاد أن ينهي مشواره في البطولة، لكنه تحامل – بعد أن تلقى الإسعافات الأولية من الجهاز الطبي- وأبى إلا أن يقاتل ويواصل اللعب !، وبعد لحظات من الحادث سجل هدف الافتتاح لمنتخبنا بكل براعة، وفتح المباراة على مصراعيها، وبعد ذلك بدقائق معدودة فقط بانَ لمن حوله في الملعب أنه ليس على ما يرام!، فقرَّر الجهاز الفني تبديله – رغما عنه- حرصا على سلامته. وفي نهاية المباراة فاز منتخبنا بهدفين دون مقابل.
عندما شاهدت هذه اللقطة أيقنت أن البطولة ستُزفُّ إلى دكار لا محالة؛ لأن النتائج قد تعرف من مقدّماتها.

إخواني السنغاليين نحن في أمس الحاجة إلى هذه العزيمة وإلى هذه الروح القتالية في حياتنا اليومية أكثر من اللاعبين داخل الملعب..؛ لأن الواجبات الوطنية التي نقوم بها كل يوم ونتقاضى رواتبنا مقابلها في الوزارات والإدارات والمستشفيات والمدارس والوظائف العمومية… أهم بكثير من مهمة اللاعبين وفوزهم بالبطولات؛ لأن ذلك لا يغير شيئا من واقعنا المرير، ولا يسعف البلد من بحر الأوجاع التي غرقت فيها منذ الاستقلال إلى يومنا هذا.
كم يأسرني العجب إذا سمعت مسؤولا أو موظفا يمدح اللاعبين ويشبههم بالأسود في الشجاعة والإقدام ويصفهم بشتى أنواع صفات الاحترافية وينعتهم بألوان من نعوت الانضباط التكتيكي والمهارة ثم أراه في مهنته ووظيفته يتوسَّد الكسل ويجعل مذاقه أحلى من العسل ؛ يغيب أياما عديدة، وإذا داوم تراه يصل متأخرا ويغادر مبكرا ؛ لأعذار واهية ولأسباب تافهة.
والأدهى والأمرُّ أن بعضهم إذا دخل مكتبه يغلق على نفسه الباب، وقد يفتح ركن التَّسالي في جهازه؛ يتسلَّى مع أحبابه أو مع عشيرته الأقربين، ولا يأبه بالمراجعين خلف الباب! الذين قد يكون منهم المريض والعجوز وذو الحاجة!!
أخي الموظَّف لِم لا تكون أسدا مثل اللاعبين؟!، محبا لوطنك مضحِّيا من أجله؟! صبورا على مشقات العمل ، متحمِّلا لتبعاته كما يفعل اللاعبون؟!، ألا تريد أن تنجح في وظيفتك كما نجحوا هم في مهمتهم؟!
لِم تمدح اللاعبين وتنسى نفسك ؟! ألا تحب أن تكون من أبطال الوطن وأبنائه البررة؟! الذين يعملون بجدٍّ وإخلاص لرفع كأس العز والكرامة، ونصب راية التقدم والازدهار الحقيقي لهذا الوطن ؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى