مقابلات

مقال: قراءة في ظاهرة الرحلة من القرية الى المدينة..

يسرنا في موقع “رفي دكار” أن نقدم للقارئ العربي سلسلة مقالات أدبية ونقدية متنوعة، يكتبها الأستاذ والإمام إسماعيل دم، وهذه الحلقلة الأولى..

تشغل الرحلة جانبا هاما  في الادب الافريقي  الروائي إذ جل الكتاب الروائيين السود في القرنين الماضيين عالجوا  موضوع الرحلة  من القرية الى المدينة ثم منها الى اوروبا.

القرية والمدينة

لقد استرعت انتباه كتابنا الروائيين ظاهرة الرحلة من القرية الى المدينة. انها ظاهرة تمخضت من عدة عوامل بعضها إيجابية وبعضها سلبية

فالعوامل الإيجابية تكمن في رغبتهم الاكيدة في البحث عن العلم أولا وقبل كل شيء لان من الأسباب الرئيسية التي دفعت الى الهجرة انئذ ’طلب العلم و لذلك نرى ان جل ابطال الروايات في موضوع الهجرة طلاب علم ك” سراب باريس”للكاتب الروائي عثمان سوسي جوب “والطالب الأسود” ل”برنارداديي”

واما ابرز العوامل التي يمكن ان تعتبر سلبية هو شعورهم بالضجر والملل في الحياة في القرية التي  لم تعد قادرة على توفير حاجات الشاب القروي وتحقيق امنياته رغم ارتباطه الوثيق بها لكونها حصن اصالته وتقاليده .

 في القرية

يتطرق عبد الله سادجي إلى نفس الموضوع بل أختار الروائي امرأة لتكون بطلة الرواية. ميمونة دابة تسكن منطقة لوغا، وكانت تعيش حياة هادئة بين أحضان أسرة عريقة مشيئة بالتقاليد، شأن جميع الأسر القروية سمعت بـ اندكارو ” داكار” ، خيل لها أنها جنة عدن ، فراحت تنسح خيولها من الأحلام” وتبنى قصورا من الأوهام ” وتتحرق شوقا لرؤية هذه المدينة العجيبة التي سمعت عنها الكثير. انتهت بمجرد أن وطئت قدمها أرض المدينة وأعجبت بها لأول وهلة إلا أن هذا الإعجاب سرعان ما تلاشى فقد لاحظت أن طعمة جديدة من حياتها انفتحت، وبدأت تمارس نمط عيش جديد! طبائع مصطنعة كانت ” ميمونة” قرية لها. في مدينة داكار العاصمة الهلاك النفسي والضياع الأبدي.

 إن الكاتب الروائي : “مالك فال”اختار كبطل لروايته لابليه( الجرح ) شابا اسمه : “مقامو” نشأ وترعرع في قريته وتشبع بقيم أهل البادية وتطبّع بطبيعتهم. لكن سرعان ما استولت عليه الأوهام ومشاعر القلق والملل والضجر نتيجة الحياة الراكدة “والمملة” في القرية.

وبدأ يصرخ: “انني لم أكن أحب الحياة في القرية، غير أني لم أمتلك آنذاك عناصر حقيقية استطيع بها أن أقارن بعض تقاليدنا وعاداتنا. وانما كان يغيظني ذلك الإمتداد الممل لحياة راكدة مجزّأة بين عمل في المزارع وراحة طويلة ونقاش “عقيم.” ويستمرّ مقامو في نفس السياق مبررا موقفه تجاه قريته :” والحقيقة أنني، بعد مرور عدة أعوام، أدركت أني لا أكره قريتي، بل أكن لها كل تقدير! وانما سيطرت عــــلى مخيلتي مشاعر و(تصورات) عن المدينة المتوقعة فنفرتني عن كل ما له صلة بقريتي، من قريب أم بعيد”.

لم يغادر مقامو قريته عن قلى وكراهية وانما غادرها لعلل ذاتية منها الطموح الى عالم أفضل تنعتق فيه نفسه

وتتحقق فيه آماله.  ومن هنا تبدو تلك الصلة الوثيقة التي تربط البطل بقريته وبني جنسه ؛ انها صلة لا تنقطع كليا وإنما تتراخى. اذ يثور على القرية وعلى التقاليد، وبالأخص,على المناهج الدراسية وطريقة التعليم في المحاضر والكتاتيب. فيقول: إن ما كنت أبغضه أشد البغض هو مدرستي لتحفيظ القرآن، وخاصة معلمي، انه كان قاسيا، وبيداغوجيته كانت قائمة على الضرب واللطم و النعرات اللامتناهية.

  آهٍ! أنني أتذكر دائما أسواطه التي كانت تمطر عليَّ وآثار قرصات أصابعه الطويلة ( ) . وكنا نظل طول النهار مكررين ما شئنا! إن كراهيتي لمعلمي حملني إلى أبغض كل ماله علاقة بمدرسي وقريتي.

أن التلمذة القاسية والحياة المملة السائرة على وتيرة واحدة، أيقظت في نفس “مقامو” بطل الرواية، مشاعر عدة، فراح يلتمس عالما أرحب من القرية، حيث لا تشاؤم ولا ملل ! إنني ـ يقول “مقامو”: لأتعجب من أهل قريتي كيف رضوا بأن يعيشوا العمر كله حياة ساكنة راكدة غير متجددة.

أن النمل ثائر ثورة كبرى على قيم البادية إنها انفجارية نفس سائمة لكنها تائقة في ظاهرة الهجرة من القرية إلى المدينة بحث عن المادة فحسب، بل هي أعمق من ذلك، إنها ترمز إلى عمق الصراع النفسي العميق الذي تولد لدى أدبائنا في تلك الفترة من القرنين التاسع العشر والعشرين  حيث    غزت الثقافة الأجنبية القارة الإفريقية وبرقت في المدينة الإفريقية معالم المدنية الاوربية وبدأ لمعانها يجذب الشاب الإفريقي وغدت القرية غير قادرة على تحقيق الآمال.

” مقاموا” وطموحاته، رغم كونها حصنا للتقاليد والقيم الأخلاقية والمفاهيم المتوارثة التي كثيرا ما تقتد به الأدباء في رواياتهم وقصص حياتهم فلا بد إذن من عالم مثالي تتحقق فيه الأماني وهذا العالم وحده بعضهم في المدينة أولا كمرحلة أولى للهجرة …ففي المدينة عمل وفيها وسائل أخرى كثيرة ومشاغل تنشط بها الروح.

في المدينة

هل استطاعت المدينة أن تشفي غليل الأبطال الروائيين وتهدي لوعات نفوسهم! وهل ـ حقا ـ وجدوا آمالهم الجسيم متمثلة في المدينة كما كان قد خيل لهم؟

لا إن المدينة لم تف بوعدها! إنها حياة من نوع آخر فأين القيم الأخلاقية الريفية! وأين الرابط المتين بين مختلف السكان؟ فالمادية هنا قائمة، والأنانية ضاربة أطنابها. أهذا هو عالمنا ” الفاضل ” الذي كنا نتحرق شوقا إليه! إنه ليس إلا ((حظيرة معاز أو ذئاب)).

هذه هي الحقيقة القاسية التي أدركناها ” ميمونة ” بطلة رواية عبد الله سادجي. وغيرها من أبطال الروايات السنغالية بل الإفريقية بصفة عامة، “ميمونة” رجعت أخيرا إلى لوغا، كما أراد الكاتب، ورجوعها عبارة عن انهزام لأنه يعني استعادة الحياة القديمة.

إذن تجربة الهجرة إلى المدينة ولّدت في روادها الشعور بالضياع في عالم يفقد فيه الإنسان انسانيته وبذلك كان رد الفعل إزاء هذا الواقع عنيفا.

فهذا “إزابوتو” يكتب عن المدينة القاسية، وذاك “برنارداديه” يتكلم عن المدينة الخادعة ويقول على لسان البطل في محاورة مع “كولومبوا” الطالب الأسود الذي ساقته ظروف الدراسة إلى المدينة ((ما أقبح المدينة! إنها لمدهشة).

وهكذا استمر الطالب ((في التعبير من استغرابه لسلوك أهل المدينة ويتكلم عن إقبالهم الشديد عن تعاطي المخدرات وشرب الخمور. ثم يتناول وضع المرأة في المدينة.. ويرى أنه أسوء، ويقول: ((أنهن يتلقين بك لأول وهلة فيسألك الدراهيم بوقاحة مميتة.. فمنذ أن بدأت المناداة بالمساواة بين الرجل والمرأة، يعتقدن أن المساواة هي أن يتركن سدى، وقد عاقبت إحداهن ذات يوم فما كان جوابها إلا أن قالت: أليست هذه سيرة النساء في فرنسا؟)).

فالكاتب يطرح هنا المشاكل الحديثة الناجمة عن احتكاك الحضارات والثقافات المحتلفة.

وهكذا نرى أن الرحلة أو الهجرة من القرية الإفريقية الهادئة المتواضعة إلى المدينة الصاخبة ذات العمارات الضخمة والشوارع الواسعة المبلطة حيث لا إمكانية للعب، بل كل الناس في عجل يدورون في حلقة الصراع من أجل الحياة.

الى اوربا

حاول الروائيون أن يصوروا لنا الحياة في أوربا ومعاناة الطالب الأسود “كولومبوا” ونتيجة احتكاكه بمجتمع جديد وما نتج عن هذا الاحتكاك من صدمات ونتائج تركت أثرا عنيفا في النفوس.

فالرحلة إلى أوربا ليست رحلة من قرية إلى مدينة بل إنها رحلة غربة مادية ومعنوية وحياة جديدة مع ثقافات مختلفة. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. إنها تجربة قاسية يقول عنها الفيلسوف الفرنسي فكتور هيقو ان اي تغير في حياة الإنسان تنتج عنه كئابة حتى ولو كان هذا التغير هدفا مرجواً إلى الأحسن…لقد عشت شخصيا هذه التجربة عندما انتقلت من مدينة البيض ( مدنية صغيرة) إلى مدينة وهران بالجزائر فوجدت نفسي في قرية كبيرة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى