مقالات

مقال: “فَلَمَّا أَفَلَ.. السَّيّد بَابْ مَالِكْ سِهْ” رحمه الله

بقلم/ بروفيسور محمد غالاي انجاي/ بروكسل

أصيب الشعب السنغالي، وخاصة الطريقة التجانية في مدرستها المالكية، بصدمة عارمة غير مسبوقة في فجاءتها، وذلك حين أُعلنت على الملإ عبر وسائل الإعلام وفاة السيد المرحوم “بَابْ مَالِكْ سِهْ بن سَريِنْ بَابَكَرْ سِهْ”.

والحق أن الصَّدمة قد رافقتها دموع حُزن وحداد، انهمرت من القلوب فأثرت بصماتها على القوالب. وهنا انتابني إحساس مرهف، إوحى إلي مما أوحى وبلهجة غير مستوعبة أن شيئا ما وقع، شيئا غير عادٍ قد حدث.

نعم لقد تراءى لي أن عجلة الزمان أصابها شلل، وإثر هذا الإحساس الداهم، تسرعتُ دونما تردد إلى النظر في هاتفي، فإذا بي في “الواتساب” أرى سيل من الرسائل يتدفق، وعلامات البكاء تنهمر وصور الأسى تتوالى، وشهادات الناس حول دماثة خلق الفقيد وثقافته الواسعة تنسكب بوفرة مذهلة. فقلت في نفسي متسائلا: أهذا السيد الذي رحل عنا بهذا الحجم كان كبيرا بين أبناء زاويته، ومجهولا للأمة والعالم؟ فأنا كسنغالي لا أعرف عنه الكثير، كلما أعرفه أنه شخص مُفوِّه، ذو أناقة نادرة، وأنه المتحدث الرسمي للزاوية المالكية التِّوَاوَنِيَّةِ، لا أكثر؛ والحق الذي لا مراء فيه، هو أن ما اكتشفته خلال ساعات بعد رحيل “باب مالك سه” أنه قامة فكرية لا يَلِيق به، بل يَحرُم عندي أن يكون حكرا لأبناء زاوية فلان أو علان؛ ودونما تعسف مني، فإن العطاء الفكري والروحي لهذا السيد – رحمه الله – لا يُقارن بِالطَّلِّ، بل هو وَبْلٌ يجسد بقوة مقولة الحكيم الأفريقي أمادو هَمْبَاتَ بَاهْ: «وفاةُ مُسِنٍّ في أفريقيا تُعّدُّ مكتبة محترقة».
ومن هذه الحدث المؤلم تلقنت دروسا لا تستوعبها طيات هذه المقالة، ولكن سأسرد منها ثلاثة:


الدرس الأول: على علماء الطرق والزوايا الصوفية أن يرفضوا رفضا باتا بأن يكون عطاؤهم العلمي والروحي حكرا لفئة من الناس، فذلك، من وجهة نظري، خسران مبين وتضييق لواسع. العَالِم أو المثقف، وإن كان ينتمي لصومعة معينة، يجب أن يخرج بين الفينة والأخرى من الأطر المتوارثة والأبراج العاجية المبنية في الخيال الشعبي، حتى لا يسجن فيها نفسه إلى الأبد، فإن كانت لعلماء الطرق في سنغالنا مثلبة أو شائبة تذكر، هي بدون شك هذه النزعة التي تقترب من الانغلاقية العلمية. ولنا في عبارة نطقها بها الشيخ إبراهيم انياس الكولخي إسوة حين يقول: «لا أشعر أني تجاني المشرب إلا حين أمسك بسبحتي لأداء لازم الطريقة»
الدرس الثاني: إن أعلام الهدى ومعادن العلم في سنغالنا لا يعترف بفضلهم وبمكانتهم بصفتهم قامات فكرية وروحية إلا بعد وفاتهم وانتقالهم إلى العالم الآخر. لقد تعودنا على أن الاعتراف بنوابغ هذا الشعب الحصيف لا يأتي من الداخل، بل دائما من الخارج. وهذه المثلبة أضرت كثيرا ببلدنا، لقد أدت إلى نفور ثلة من كوادره فألقت بهم عصا الترحال إلى فضاءات أخرى نائية، فحُرمنا منهم واستفاد منهم قوم آخرون، يا لها من خسارة. أفَكلَمَّا أَفَلَت نجومنا قُلْنَا: لا نُحِبُّ الآفِلِين؟، ليته يَعُود، لقد كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ…
الدرس الثالث: إن الأب الروحي والفكري لأية فئة معينة قد تكون قوة تأثيره لا تسري على أوصال أبنائه فحسب، بل قد تسري في عروق كل المنتمين إلى هذه الفئة، فإن شخصية الحكيم الفرد أعجوبة زمانه، أعني “الشيخ تجان سه المكتوم” قد تركت بصماتها على كل من ينتمي إلى التجانية المالكية. فكل من ألقى نظرة عابرة يجد أن أسرة هذا الطود الشامخ تُقلده في كل شيء، تتأسى به في طريقة كلامه وسلوكه، وفي حبه للعلم والثقافة لا سيما في التَّمَكُّن من اللغات الثلاث الأكثر تداولا في السنغال: الولفية، العربية والفرنسية.
وفي آخر المطاف أبتهج بذكر نتف ممَّا قيل عن المرحوم “باب مالك سه” من مزايا وفضائل: لقد كان عالما جليلا، محاضرا مفوها، لين الجانب خافض الجناح، ذا أناقة ووقار، ومنفتحا على الآخر، ومتأقلما مع ذهنية بني زمانه، أكرم بها من محامد وخصال ستبقى تخلد ذكره… غفر الله له وتغمده برحمته وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى