مقالات

مقال: حتى لا تبرد القهوة ..!

أ. عمر لي

في مرحلة من حياته كان ذلك المراهق مغرقا في أماني تتناغم مع عقليته وعمره، كأن يحصل على منحة دراسية ليقبّل الجامعات العربية وليعود بشهادات أكاديمية عالية، الآن وهو جالس في ذلك المقعد العمومي الذي تتزين به مدينة كولخ الصاخبة، أخذ يتخيل نفسه وهو قد حصل على تلك المنحة ليجلس في مقاعد الجامعة العربية وليتشرب المقررات تشربا سلبيا، يتأثر أكثر مما يؤثر، يأخذ أكثر مما يعطي، يصدق أكثر مما ينقد، يلتهم أكثر مما يغربل… وعندما تأتي الامتحانات يحفظ المقررات كعهده عندما كان في الثانوية؛ إن طريقة التلقي في هذه الجامعة تشبه كثيرا طريقة التلقي في مدرسته القديمة، كان يأخذ المقرر ويحفظه ليعيده إلى المعلم -كما أعطاه- في طبق مفعم بكل ما لا يمت بصلة إلى ذاته المفكرة… سيحفظ المقرر في الجامعة وسيعيد الطبق إلى البروفيسور لينال درجة عالية جزاء وفائه، ومن ثم سيكرر السيناريو نفسه حتى يحصل على البكالوريوس، قد يكون هاضما لهذه المحفوظات ليكون مهووسا بتبرير هذا الهضم، فتراه في كل مكان يفتعل الأحداث التي تساعده على إبراز ذاته الجديدة، هذه الذات التي اكتسبت كمية هائلة من المعلومات التي قد لا يستعملها إلا في حدود ضيقة… وقد لا يهضم هذه المعلومات، كان فقط يردد المعلومات ليكسب الدرجات، وليس من المهم أن يهضمها ما دامت البكالوريوس تفتح مصراعيها له في هذه الحال، لكنه رغم ذلك قد يعود إلى الوطن وكأنه كان يرفع الحجرة إلى قمة الجبال ليتركها تسقط بدون هوادة… ثم إنه بعد ذلك يحاول أن يواصل دراسته، يتسجل في الدراسات العليا، يختار تخصصا ليس من ميولاته ولا من اختصاصاته، يختاره لأنه أسهل، أو لأن فلانا الزميل اختاره، أو لأنه معجب بأستاذ هناك، فيأخذ في الدراسة والبحث في موضوع لا صلة له بواقعه، موضوع لا يقدم لوطنه أي شيء ولا يكاد يلمس شيئا من هذه المشكلات التي تخنق قارته، سينبش ذاكرة التاريخ القديم، سيحقق كتبا في مسألة لم تعد حية، سيشرح كتبا لم يعد لشرحه كبير منفعة، لا يستطيع أن يختار مواضيع حية، لأن أساتذته بعيدين عن فهم جدوى هذه المواضيع، لا يجرؤ على أن يكسر الروتين، يظل يصول ويجول، وفي النهاية يتخرج حاملا شهادة الماجيستير ببحث يوضع في رفوف الجامعة، بحث يموت يوم ولادته، بحث لا يرى النور ولا يكاد يغازل أحدا غير هذه البحوث الميتة التي تشاطرها الحال والمصير… كان صاحبنا يفكر في هذه السيناريوهات وكله عرق وحيرة، ترى كيف سيكون حاله وقد أعتقته الجامعة وشكرت له سعيه وحملته الأمانة وعملت على بلورة فكرته، من بعد ما تأثر تأثرا صارخا بأساتذته وتلك البيئة العربية، إضافة إلى هذه الذات التي تنظر من هنا وهناك لترى نفسه في عالم العلماء الربانيين الذين أصبحوا من عداد النخبة التي يتوجب عليها أن تغير الحياة، أن ترد الخلق إلى الجادة، أن ترشد العوام.. بيد أن صاحبنا أدرك أنه كان يستطيع أن يصبح لغويا، أقصد أن يكون ذا باع طويل في اللغة العربية كما الجاحظ والمعري مثلا، وقد كتب بحثا في تناقضات المعري مثلا، قد يكون هذا البحث تكريرا باهتا، قد يكون بحثا للتخرج ليس إلا، لكنه ما إن يعود حتى يجعل البيئة أفريقية لغوية، أقصد أنه يحاول إسقاط معارفه اللغوية في البيئة، ويتصور نفسه محاميا للغة الضاد، يخطئ الأئمة، يلحن الخطباء، يستهين بالدعاة، يتشدق بالعربية، ذلك أن بيئة تخصصه كانت في بيئة محدودة ولا مندوحة من توسيعه لتؤتي كل هذه السنوات التي أنفقها في دار الغربة أكلها، ولعله بهذه الانشغالات المعرفية اللغوية سيكون منشغلا عن أحداث الحياة وإيحاءات البيئة، سيعيش في عالم آخر، عالم من ورق أو من فراغ، من يدري… إن صديقنا هذا اللغوي أو ذاك الذي تخيله صديقنا من ذي قبل سيصبح معلما وداعية وخطيبا وشيخا ومفتيا ومشرفا تربويا وسياسيا وووووو…. غير أنه قد لا يخلف لجيله كتبا تتناغم مع بيئته وواقعه إلا عندما ترأف به الرياح لتغير فلسفته المغلفة والمصنوعة في البيئة العربية، سيظل قابعا في زاويته من غير أن يقدم مبادرات جادة تنهض بالوطن… هكذا أخذت الأفكار تلعب بصديقنا حتى شغل عن ضجات الدراجات النارية وصراخ هؤلاء الأطفال المهملين الذين يحملون في أيديهم أوعية فارغة، من دون أن يعلم أن عليه أن يحتسي هذه القهوة التي ستفقد طعمها عندما تبرد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى