مقالات

مقال: التعليم الإسلامي في السنغال بين بُشَرِ الإنجازات ونُذُرِ الاستشرافات

بقلم أ. أحمد مختار لوح

يمكن لأي عامل في حقل التعليم والتربية في السنغال أن يلاحظ بدقة تلكم الخطوات الجبارة التي خطاها قطاع التعليم الإسلامي في السنغال بشقيه الأصيل والحديث ( المحاضر والمدارس ) . والتي جعلت بلادنا الآن أحد أكثر دول أفريقيا جنوب الصحراء جذبا لاقتصاديات المعرفة المنبثقة عن المرجعية الإسلامية ؛ حيث تهافت العديد من رجال الأعمال المواطنين والأجانب ، والمسؤولين السياسيين البارزين ، فضلا عن المؤسسات التعليمية العريقة ؛ في فتح مدارس ومعاهد عليا ذات خدمات ممتازة وعطاء تعليمي يتوفر فيه أعلى معدلات الجودة والرقي ، انزاحت أمامها تلك الأوهام التي ظلت فترة طويلة تقصر الجودة على مؤسسات التعليم الكنسي والعلماني على اختلاف مرجعياتها وأيديولوجياتها، بسبب ما حظي به هذا القطاع من رعاية رسمية سخية تعود إلى أيام الاستعمار ، تشهد عليها ما تملكه الكنيسة الكاثوليكية تحديدا من تسهيلات عقارية وضريبية وإدارية واسعة مكنتها من تشييد مؤسساتها التعليمية المرفقة بدور عبادتها في قلب كل عاصمة إقليمية في السنغال ، من دكار غربا إلى تامباكوندا شرقا ، أضف إلى ذلك ما يبثه إعلامها من زيف الادعاء بجودة تعليمها وانضباطها ورقيها، مقارنة بمدارس الدولة العامة المثخنة بجروح الإضرابات والمناكفات النقابية ، وهو ادعاء لا يمكن التسليم بصحته عموما؛ بدليل ما توفر لدينا من معطيات تؤكد أن جل ناجحي الامتحانات الوطنية بتفوق في الشعب العلمية والفنية؛ ليسوا من خريجي مدارس التعليم الكاثوليكي . ويمكن مراجعة محفوظات مصلحة الباكالويا للتأكد والتأكيد .
ومن الجدير بالذكر هنا الإشادة بتلك الإنجازات الهائلة لنظامنا التعليمي، وبالأسباب الممهدة لها، متمثلة في الآتي :
1- الإرث التاريخي العريق من نضال الرعيل الأول ، أمثال الحاج محمود باه ، الشيخ أحمد امباكي ، الشيخ إبراهيم نياس ، الشيخ محمد المرتضى امباكي – رحمهم الله وأسكنهم فسيخ جناته – ؛إذ نعتبر تلك الإنجازات قطفا لثمار بذور يانعة غرستها تلك الأيدي السخية الطيبة التي أدركت مبكرا عمق ما يعانيه شعبنا المسلم من جهل وتخلف ، فراهنت على التعليم خير وسيلة للذب عن الهوية الثقافية الإسلامية لهذا البلد المعطاء ، والتي تكالبت القوى الأجنبية و توابعها المحلية على إزاحتها تحت دعاوى فارغة ( الزنوجة مثلا ) ، وسخرت الإعلام والتعليم لخلق أجيال متميعة فاسدة متمرغة في الكسل والتبعية ، واللافعالية في الإنتاج والتحصيل ..
2-مواقف الدول العربية من المغرب إلى البحرين ، التي عملت بما يمليه عليها واجبها الديني والقومي ؛ ففتحت أبواب معاهدها وجامعاتها للوافدين إليها من كل أنحاء الدنيا ، وأتاحت لنا وللآلاف من أمثالنا فرص استكمال التعليم العالي في مختلف التخصصات الإنسانية والتطبيقية ، وهي جهود تذكر وتشكر ؛ أمدت دولنا بالعديد من الكودار العليا المؤهلة تأهيلا متكاملا، رغم تقصير الأخيرة في احتضان هذه المخرجات وتوظيفها في معارك النهوض والتنمية .أضف إليها ما يتحمله محسنو الدول العربية من عبء دعم برامج التعليم وخدماته ، والذي لم يتوقف يوما من الأيام رغم ما يمر به العالم العربي اليوم من محن ناجمة عن مؤامرة ( الربيع العربي)
3-موقف الحكومة السنغالية الرسمي الإيجابي من تعليم العربية ، والتي تبقى متقدمة جدا على جل دول أفريقيا جنوب الصحراء؛ وهو موقف ناجم عن نضالات الرعيل الأول من مشائخنا وورثتهم من جهة ، ويندرج أيضا تحت استراتيجية الدولة السنغالية في الانفتاح على الجنوب ، كما صرح به رئيس الوزراء الأسبق المرحوم ممادو جه في كتابه : مذكرات مناضل من العالم الثالث . ولعل آخر هذه المواقف جديرا بالتنويه والإشادة هو المرسوم الرئاسي 913 -2013 م ، المتعلق بتنظيم شهادة ثانوية عربية في الشعب الأدبية والعلمية . وقبلها الثانوية العربية الفرنسية في نفس الشعب أيضا .
كل هذه المعطيات تؤكد أن التعليم الإسلامي في بلادنا يخطو خطوات حثيثة نحو الرقي والريادة ؛ لكن بتطبيق قاعدة (سوات Swot analysis )
المبنية على تحديد الفرص ، والمخاطر والمهددات ؛ نخلص إلى الأتي :

  1. رغم توسع هذا القطاع من التعليم وإقبال الشعب عليه ؛ إلا أن التنظيم البنيوي له يفتقد إلى مزيد من الردم والإصلاح ؛ لانتشار التسيب والفوضى فيه من جهة ، وغياب جهاز إداري صارم يسهر على مراقبته وتقويم حصيلته من جهة أخرى ؛ وقد نتج عن ذلك كله هدر الكثير من الجهود والطاقات التي لا تتناسب وحجم النتائج والمكتسبات ، زيادة على تنامي ظاهرة الضعف العام لدى خريجي هذه المدارس من حملة الشهادات الثانوية الرسمية ، وهو ضعف مقلق تتجلى مظاهره بعمق في ركاكة مستويات التعبير والتفكير لدى هؤلاء الذين قضوا عصارة سني تحصيلهم الأساس بين جداران وأروقة هذه المؤسسات ، والتي تتحمل بلا شك المسؤولية الكبرى عن هذه الجناية بسبب التخبط والإهمال والعجز عن توفير طاقم تدريس كفؤ ومدرب ، فكان بالأحرى على جل مدارسنا الخاصة الاكتفاء بمرحلة أو مرحلتين ريثما تتوفر لها البنية التحتية اللازمة من تجهيزات مدرسية وثروات بشرية مدربة؛
  2. مشكلة التعليم ما بعد الثانوي، فقد استبشر العاملون على التعليم العربي خيرا بالمرسوم رقم 913 – 2013 م الخاص بالشهادة الثانوية الرسمية؛ دون التفكير بجدية وواقعية في مآلات حملة هذه الشهادة الأدبية، التي تعجز الأقسام والشعب عن استيعابهم ، كما يقف حاجز اللغة حجر عثرة أمام الذين يسجلون في معاهد وكليات تدرس باللغة الفرنسية ، علاوة على انسداد سبل استكمال التعليم العالي في العالم العربي لقدامة الاتفاقيات الثقافية الثنائية بين دوله ودولة السنغال ؛ الامر الذي يزيد قلق وهموم الدراسين والعاملين ، ويستدعي إجراء إصلاحيات جذرية في المناهج والوسائل وأساليب التقويم ، بحيث يتأهل طلابنا في هذه المرحلة تأهيلا يسهل لهم سبل الاندراج المؤسساتي والمهني مستقبلا.
  3. مشكلة الاندراج بشكل سليم في سوق العمل ، حيث يبقى هذا العائق أيضا هما مقلقا يؤرق مضاجع الكثيرين من طلبة هذا القطاع ، فالفرص المتاحة لخريجي الآداب والعلوم الإنسانية البحتة محدودة جدا في سوق القطاع العام ، ناهيك عن القطاع الخاص الذي لا يكاد يوظف إلا عددا محدودا جدا لما تعانيه الشركات والمؤسسات من إفلاس وعجز عن المنافسة الدولية … الأمر الذي يفرض علينا تبني استراتيجيات جديدة في التعليم والتدريب، تأخذ في الاعتبار متطلبات سوق العمل ورهاناته.. ونبارك بالمناسبة الجهود الذاتية التي تبذلها بعض المؤسسات العريقة مثل تجربة دار الإيمان، ومعهد الأزهر بطوبى، ومعهد كوكي الإسلامي، والمعهد الإسلامي بدكار في فتح شعب علمية تطبيقية تؤهل طلاب العلوم الإسلامية نحو الكليات التطبيقية كالطب والهندسة والزراعة، وهي جهود تحتاج إلى مزيد من التأطير والدعم حتى تؤتي ثمارها المرجوة بكفاءة واقتدار. والحمد لله أولا وآخرا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: