أخبار

قراءة في كتاب “الشيخ أحمد الصغير لوح في أيامه الخالدة، قصة حياة ومسيرة نصف قرن من العطاء”

الحلقة الأولى

كتب / محمد الأمين غي (ابن الزهراء)

بحول الله وتوفيقه، أنهيت قراءة كتاب “الشيخ أحمد الصغير لوح في أيامه الخالدة، قصة حياة ومسيرة نصف قرن من العطاء ” للدكتور أحمد مختار لوح ، ويعجبني أولا في الفصل الأول الذي أود الحديث عنه في هذه الحلقة، دقة أسلوب الكاتب في ذكر سلسلة الأنساب والبطون الولفية التي ينتمي إليها مؤسس مدرسة كوكي الحديثة، ويتمثل ذلك في الجد الأول لأسرة “لوح” وهو “سرين دام إس لوح، الذي ينحدر منه بعض من كبار مشايخ البلاد من السلف الصالح والخلف أمثال الشيخ أحمد بمب امباكي، والشيخ الحاج مالك سه وغيرهما رحمهم الله جميعا.

والصورة (2) تحت المنشور توضح ذلك باختصار هذه الأصول ، والتي تفرغ منها الحاج أحمد الصغير لوح، وكنت من بين من اهتموا بمعرفتها، لذلك أنشأنا قبل عامين مجموعة واتشابية لسرد تاريخ وسير هؤلاء الأجداد، وتضم أفراد عائلتنا من الجدة “مام فاط انجاي” المعروفة ب “maam caaf” هذه السيدة العظيمة التي قدمت أحد أبناءها إلى الشيخ أحمد الصغير لوح ليرافقه في مهمة فتح دارة كوكي في عام 1939 ،وهو المعروف ب”بَرام غي” ، وقد توفي لاحقا، فجددت السيدة عهدها وأرسلت إليه شقيق المتوفى وهو المرحوم سرين بل لوح ، واستشهدنا ذلك عن السفير الأسبق في ليبيا محمد جوف الذي ذكره في كتابه “أعلام الهدى في غرب أفريقيا قائلًا: “أماالتّلميذ الأول الذي رافق الشيخ عند قدومه إلى كُوكِي، وهو ابن أختـه الـشقيقة، إبراهيم غي ، فقد توفي سنة 1942 إثر مرور وباء المنطقة رحمة االله عليه، وكـان قـد حفظ تقريبا وناب عنه بالمدرسة شقيقه بَلَّ لُوح” .

أما الأمر الثاني الذي نال إعجابي أكثر في هذا الكتاب هو عمق البحث العلمي الذي يحتفي به هذا السِّفْرُ الاستثنائي، من سرد حياة كل جد من أجداد مؤسس دارة كوكي ، بدءاً من الجد الأول إلى العاشر (الشيخ سامان) هذا الأخير الذي يرجع إليه الفضل على أنه أول من حمل لقب “لوح” ، حيث تنسب الروايات الشفهية على أن أصل التسمية جاء إلى الّوح الخشبي الذي كان الشيخ يستخدمه لنسخ القرٱن الكريم. (راجع الوثيقة ص 40 من الكتاب).

هذا، وقد وضح الكاتب أنواع البطون الولفية التي كان الشيخ أحمد الصغير لوح يفتخر بها ويعرفها حق المعرفة من حيث الجذور التاريخية والروابط الأخوية بينه وبين مشايخ عصره، وهي كما ذكره الكاتب 7 بطون ولفية أصيلة :
-بطن سانغوم (والذي ينتمي إليه مؤسس مدرسة كوكي الحديثة) .
-بطن خاكان Xaagaan (وينتمي إليه والد المؤسس مام انجاي أنت سيلا).
-بطن جخ ريو Jax-réew (وينتمي إليه والد المؤلف ومدير معهد كوكي حاليا الحاج مختار نار لوح ، والشيخ محمد الفاضل امباكي وسرين عافية انياغ وغيرهم ).
-بطن غجخ Gonjox (وينتمي إليه مؤسس الطريقة المريدية الشيخ أحمد بمب امباكي والشيخ أحمد الصغير امبي والد الدكتور شرين سام ) .
-بطن كيج Géej (ينتمي اليه عائلة الإمارة في كجور.)
-بطن دروب Doroobe (بطن متفرغ عن كيج.
-بطن سيي Seey (ينتني إليه الشيخ محمد المصطفى امباكي وأخوه الشيخ محمد المرتضى وٱخرون من أعيان منطقة انجامبور.

وبالاعتماد على القصص و الروايات المنقولة سواء من النسابين والمداحين الشعبيين ، أو من أرشيفات المستعمرين الذين حاربوا كبار منطقة انجامبور، من قتل ونهب ثرواتهم ونفي أبناءهم إلى الخارج، فقد وقف الكاتب في كل مرحلة من هذه المراحل التاريخية بدقة وقدّم فيها ملاحظاته ، ومن ذلك تلك الوثيقة المنسوبة إلى سرين امبارك أنت سيلا الأخ الشقيق لوالد الشيخ أحمد الصغير لوح ، والذي نُفِيَ إلى غابون مع رفيقيه سرين لامباج (أحمد سيك) ومختار غي لثلاث سنوات وستة أشهر حيث يطلب من المستعمر الفرنسي العفو التام والخضوع أمامه للندم على مافعلوه من محاربة قواتهم في بلادهم (انظر نص الوثيقة في الكتاب ص: 27 ) ، يعلق الكاتب قبل نقل هذه الرواية أن الوثيقة غريبة جدا في لهجتها ونبرتها المذلتين اللتين لم نعهدهما عند رجال المقاومة وأبطالها في هذه البلاد، مؤكدا أنه من الراجح أن تكون مزورة كعادة الاستعمار في تزوير التاريخ وتزييف الواقع.

هذا بالإضافة، إلى وقفات الكاتب في ذكر المناطق التي مر بها الشيخ أحمد الصغير لوح بعد حفظه القرٱن الكريم بدءاً من القرية التي رأى النور فيها “غِيرْ مَلَلْ بإقليم لوغا ” ، ثم القرى المجاورة بمنطقة انجامبور وكجور أو في سالوم ووالو، ويسلط الضوء على سبب انتقالاته العلمية بحدة، ولم يترك أثرا كبيرا قام به مؤسس دار كوكي في تلك المناطق إلا وقد ذكره بأمانة علمية وصدق وتحرٍّ.

ويعتمد الكاتب على مصادر ومراجع الكتب التي ألفها خريجون من كوكي وغيرهم، كما يحترم طريقة التوثيق في البحوث والرسائل العلمية ، ومن المألوف أن يكون الباحث ملّما وجامعا للدقة العلمية عند النقل ، وهو مانراه عند الكاتب الذي اعتمد على 77 مصدرا أساسيا في الكتاب .

ومن أبرز المصادر التي وردت كثيرا في الفصل الأول؛
-“القرٱن الكريم : مظاهر العناية به وطرق تعليمه في المدارس القرآنية السنغالية وأثره في المجتمع السنغالي قديما وحديثا، مدرسة كوكي نموذجا” للشيخ إبراهيم لوح الإمام الحالي لجامع كوكي .
-“من رواد التعليم العربي الإسلامي في السنغال : الحاج أحمد الصغير لوح، مؤسس مدرسة كوكي الحديثة حياة في خدمة التربية والتعليم” للدكتور جيم عثمان درامي مدير وحدة البحوث والدراسات الإسلامية والعربية في المعهد الأساس لإفريقيا السوداء بجامعة شيخ أنت جوب بدكار.
“أعلام الهدى بغرب إفريقيا ” للسفير الأسبق محمد جوف (حفظه الله ورعاه) .
-“التربية الإسلامية المتوازنة ، الشيخ أحمد الصغير لوح نموذجا” للأستاذ شيخ انياغ.
وغيرها من المصادر، إلا أن المصدر المذكور الأكثر في هذا الفصل هو كتاب الدكتور جيم عثمان درامي، ربما لما للأخير من مكانة مميزة في سرد سيرة مؤسس مدرسة كوكي الحديثة ومسيرته بكلّ انصاف وموضوعية دون الاعتماد على الروايات الشهيرة من القصاصين والمداحين الشعبيين.
ويجدر بالذكر، أن خاتمة الفصل الأول لهذا الكتاب، تركز على تحليل الأبيات الشعرية التي كتبها الشيخ أحمد الصغير لوح (طيب الله ثراه) بقلمه المبارك وبلغة ولفية ممزوجة بالعربية خصيصاً في حالة الدعاء والتضرع أمام الله، وقد قام الكاتب أيضا في تحليله بتوضيح المناطق أو الأسماء المذكورة في القصائد الشعرية والاتيان بدلائل وشواهد من القرٱن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة .

هذا، وأضرب لكم موعدا قريبا للحديث عن الفصل الثاني للكتاب، متمنيا لكم دوام التوفيق والسداد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: