أخبار

شعائر الإسلام بين ظرفي الزمان والمكان ..!

أحمد جاه

يُحظي الدين الإسلامي باهتمام شمولي يولي عناية كبرى لجميع مكونات الحياة وعناصرها. فنصوص القرآن تتحدّث عن النبات وعن السماء والأرض والرياح والدوابّ والحشرات والجبال، كما تتحدّث عن الإنس والجانّ وعن سلوكياتهم في الحياة، وتهتمّ بالأزمنة وتُقسم بها في كثير من الأحيان: والضحى واليل…والنهار… كما تهتمّ بالأمكنة وتُقسم بها: والسماء… والأرض… وطور سينين… وهذا البلد الامين.
وقد ربط الإسلام الشعائرَ التعبدية بالأزمنة في أغلب الأحوال، كما في الصلوات الخمسة وصيام رمضان والزكاة. وربط الحج والعمرة بذلك البلد الأمين.
ومن هنا نتسائل عن الأعياد الإسلامية بما فيها عيد الفطر والأضحى ويوم عرفة والجمعة ، هل تعلقها زماني أو مكاني أو زمكاني جدلي أو نسبي؟؟
أو بأسئلة مبسطة كما يلي: هل الأعياد تتحدد حسب أماكن إقامتها؟
أو أنها تعود بعودة زمان وقوعها؟
أو أن لظرفي الزمان والمكان علاقة جدلية في تحدّدها؟
أو أن لكلا الظرفين نسبة مئوية ترجّح الكفة إلى إحدى الجانبي؟
أسئلة أراها في حاجة إلى إقامة مؤتمرات وندوات، لإشباعها بحثا والخروج بقرارات سمحة وكفيلة لوحدة الصفوف.. والسؤال الأكبر عندي: هل تتوحد الصفوف بقرارات لاتنفذها إدارة شرعية ترعى التزام الرعية بما قررت في شأن الأعياد بكل جدارة؟؟
فدور تلك الأعياد الإسلامية في إظهار زينة الإسلام وقوة المسلمين، وأهميتها في كونها مؤشرة لوحدة صف الأمة، أو لوهنها وتشتتها؛ ما جعل الرسول في بداية تاريخ الإسلام يضع استراتيجيات ترويجية ودِعائية؛ فيأمر أصحابه بكشف العضد لدحض تهمة الضعف في العضلات، ويأمر بالترمل (الجري الخفيف) عند الطواف بالبيت العتيق عند الإفاضة، لنفي مظنة الخمول الجسدي، ويرشد إلى مخالفة الطرق ذهابا وإيابا نحو المصلَّى ومنه… كل هذه الاستراتيجيات السياسية غفل عنها قادة الأمة ـ إن كانت للأمة قيادة ـ واشتغلوا بفرعيات المسائل عن المقاصد الكلية، والتي أجلها: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.
إن وحدة الكلمة مقصد جلل؛ نحتاج إليها كلما تفككت الأواصر كما في حال دولة مثل السنغال، حيث تفكك المجتمع السنغالي إلى طرق صوفية على كل طريقة خليفتها وإلى جمعيات إسلامية على رأس كل جماعة أميرها، وإلى أحزاب سياسية على رأس كل حزب رئيسه، فضلا عن تيارات ودعوات تتقاطع وتتصادم في الرؤى والإيديولوجيات… فيدعونا هذا الحال إلى لملمة أطراف المجتمع السنغالى وأطيافه المنتمية إلى الإسلام للنجاة بالبقية الباقية في قلوبهم من المشاعر الانتمائية إلى المجتمع المحلي المسلم، وذلك خلال الشعائر الدينية التي لها صلاحية إيقاظ الشعور الوحدوي والانتمائي إلى مجتمع واحد وهدف واحد وإيمان واحد كما في شعار الجمهورية.
وأشير إلى توجيه لطيف من أحد رموز الدعوة في السنغال ألا وهو سرين بابو حيث يقول في أحد المجالس التشاورية: لاتكونوا أنانيين ـ أيها الدعاة ـ فتتصرّفوا على قناعاتكم متغافلين عن أوضاع المدعوّين وقناعاتهم… فبهذا التصرف يصعب أن تصلوا إلى قلوبهم بله أن توّحدوا كلمتهم… ويضيف: كلما أمكن القيام به مع أخوانك المسلمين في مجتمعك فانفرادك به من خوارم الدعوة عاجلا وآجلا… وكان يشير إلى اتخاذ بعض الهيئات الدعوية لجان تراءٍ خاصة في شؤ ن الأهلة، وأخذهم قرارات تعزلهم عن سواد المجتمع السنغالي…
وقد يفيدنا بعض القراء عن عدد لجان ترائي الهلال حاليا في سنغالنا الصغيرة، بجانب اللجنة شبه الرسمية، فربما يكون ألمّ بتفاصيل الأحداث منا…
معذرة إن بعدنا بكم عن نقطة الانطلاق لنرجع إلى ضرب الأمثال في عيد العرفة وعلاقتها بالزمان والمكان وأثرها في اختلاف المسلمين السنغاليين تبعاً لذلك في عيد الأضحي الكبير.
فكلمة عرفه ـ عند المؤرخين لها ـ تدلّ على حالة نفسية أو روحانية اكتسبها سيدنا إبراهيم عليه السلام بعدما روّى أياما وتيقّن أخيرا فعرف أن رؤياه بلاء مبين، كما في أحداث سورة الصافات. وترتبط الكلمة باليوم التاسع من شهر ذي الحجة “يوم عرفه” كما ترتبط بجبل “جبل عرفه”. وهذه الارتباطات جعل البعض من الفقهاء الذين يغلّبون الجانب المكاني (وقوف الحجاج على جبل عرفة) يدْعون إلى إلغاء رؤية اختلاف المطالع في هذه المسألة بالذات وربما فيما سواها من مسائل الأهلة.
أما الفقهاء الذين يغلِّبون الجانب الزماني يتمسكون باختلاف المطالع في “عرفه” صياما وفضلا وفي عيد الأضحى صلاة ونسكا وتوسيعا على العيال، حسب الأقطار والمواقيت، “يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج” مواقيت للناس في جميع الأماكن على وجه الأرض وضابط للحج في الأراضي المقدسة، وهما وظيفتان مختلفتان لا تلازم بينهما عند هؤلاء.
ولما كان لمسألة التعيُّد جانب فقهي وجوانب أخرى إدارية وسياسية واجتماعية فلا يمكن حل معضلة اختلافنا حولها إلا بمواقف سياسية جادة من مبادرات الساسة… وهل نرجو ذلك من ساسة تنكبوا عن الدين واهتماماته وتبنّوْا العلمانية الغافلة عن اهتمامات شعوبهم… أو نرجو ذلك من قيادات دينية متفرقة تحرس كل منها طريقة أو جماعة أو جمعية أو لقبا أو قرية…
فلننظر إلى الجوانب الإدارية لما رأى الراعي الهلال في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فقد فقِه هذا الراعي البسيط اجتماعيا أن المرجعية الوحيدة في شأن تحديد بدايات الشعائر التعبدية ونهاياتها هو الرسول؛ فلم يعلن رؤيته للهلال على من حوله.. وإنما ذهب إلى النبي صاحب الصلاحية الشرعية والإدارية، في تلك الحقبة. وبعد التحقيقات الإدارية اللازمة وجّه أمره الرئاسي إلى وزير الإعلام “بلال” أن أذّن، في الناس فليصوموا غدا!
وكيف نفهم النصوص المتعلقة بالشعائر الجماعية مثل قوله: “الصومُ يومَ تصومون ، والفطرُ يومَ تفطرون، والأضحى يومُ تُضَحُّونَ” ؟؟
وإن تعددت الاحتمالات في المفاهيم فروح النص تُبقي المسؤولية على عاتق أولي الأمر من المسلمين ليرتفع الحرج ممن دونهم،”يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم”…
وأوقدُ مصباحي في نهاية هذا المطاف المفعم بالتساؤلات، لأبحث عن أولي الأمر من المسلمين في السنغال: من تجتمع بهم كلمة الشعب وتتوحد بهم الشعائر.. وأدعو القراء أن يعينوا في هذا البحث علّنا نجدهم في الساحة أو نُوجدهم بالتخطيط ولو بعد حين! وعلّهم يبتّون أو يحسمون في العلاقات الزمكانيّة لشعائرنا التعبدية السنغالية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى