مقالات

رسالة إلى شيخي ” الأمين ” في عالم الغيب !

أ. د عبد العزيز كيبي

في هذا اليوم، يوم انفلاق شذرات نعم شهر محرم الكريم ( تَمْخَرِتْ)، يندفع قلبي نحوك يا سميي الحبيب. فرفَعْتُ الطرف إلى السماء راجياً رؤية مُحَيَّاك في خاطر ذكرياتي. وهناك، ابتسمت السماء بنورها وكشفت لي ركناً من فضائها المخلد حيث تَحُلُّ، مرتدياً ثوبك النقي، بردة الكرامة التي كانت تميزك عن غيرك . ثم همستني روح في صميم القلب – ما كذب الفؤاد ما رأى- أن عودتك إلى العلى الذي لم تغب عنه قط لا بوعيك ولا بوفائك، إنما هي تكريس لصالح أعمالك. ها أنت أخيرا مع أحسن الرفقاء، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. لقد أراد الله عز وجل أن تشكل أيامك الأخيرة في الدنيا في شهري ذي الحجة والمحرم، معالم لحياتك التي كانت كلها رسالة، وأن تكلل مسيرتك، حيث أن الأول، ذي الحجة شهر التوحيد والتخلي، يكمل السنة، والثاني شهر الله المحرم، شهر الشكر والثناء إلى الله، يمثل الفاتح للعام الجديد.
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والآرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم. ” فقد شاء ربك أن تدرك تماماً و أكثر من أي واحد، الرسالة الكامنة في الخطوط العريضة لحروف هذه الآية من سورة التوبة، وأن تفهم الغرض من تتابع الشهرين ذي الحجة “تَبَسْكِ”، و”، شهر الله المحرم كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحبيب المصطفى. ولقد أدركت أن الله عز وجل دعا البشرية بصفة عامة، والمسلمين بصفة خاصة إلى أن يطبعوا أعمالهم على مدار السنة بروح التقديس. ذلك أن الإحرام الذي هو أحد مناسك الحج الذي يدخل فيه الحاج في شهر ذي الحجة المكمل للسنة يستمر روحا ومعنى في شهر المحرم الذي هو فاتح العام الجديد. وقد جعلت في حياتك من هذا الشهر المحرم موعداً يلتقي فيه الشباب، أمل الأمة، والكبار، حفظة الأمانة، في تواوون، تحت لواء دائرة المقتفين بآثار الآباء والأجداد، لتذكير البعض التزاماتهم وحث البعض الآخر على إدراك معنى وجودهم على بساط الأرض، ومدى قدسية أعمالهم من بداية العام إلى نهايته.
تستحق كمال الشكر يا مرشد. قد هديتنا الى الطريق ، بل أقول قد سرت على الدرب ولم تلتفت لحظة إلى جنود الشيطان ولا إلى رغبات الهوى، ولا إلى غرور الطمع ولا إلى رفاهة الثروة. وبحكمته المطلقة كشف الله لنا مقامك الخفي لشدة قربك من الناس في المجتمع، وخصك بحرمة هذين الشهرين. ألم يخبرنا معلم البشرية بأن الأمور بخواتمها؟ وهكذا تنتهي حياتك في الدنيا في خدمة عيال الله، كما تعودت على ذلك، بتوزيع أنواع السعادة على من حولك، في مختلف أنحاء البسيطة. وتشهد على ذلك لياليك في أسواق المواشي، متجشما المتاعب ، متحملا الغبار تحت أشعة الشمس ولدغة الأرياح، كل ذلك لكي تدخل الابتسامة في وجوه أطفال أبرياء ينتظرون بفارغ الصبر ثغاء الكبش المربوط بباب الدار. وأستحضر في ذهني كلمة “المعين” هذا النعت الذي وصفك به الإمام العربي انياس بن المشهور الشيخ محمد انياس رضي الله عنه، ب-لِيوْنَ نِياسِينْ.

شيخي،
قد أودعت لنا في أيامك الأخيرة صورة خادم يضَّحِي حتى أنفاسه الأخيرة، من خلال عمله المستمر، لتحقيق السعادة لأهله ولإرشادهم إلى سبيل الواجب. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ألقى خطبته في حجة الوداع بعرفات، في شهر ذي الحجة، “تَبَسْكِ”، وأنت وَجّهْت رسالتك الأخيرة التي هي صدى لخطبة الرسول إلى الأمة ، يوم النحر، وفاءً له ولقيمه وحتى بالرموز. من ينسى ذلك؟ أنا لا أنسى ذلك كما أن أسرتك لا تنسى ذلك. إنها لا تزال تحافظ على تراثك المتمثل في هذه المهام الجليلة التي أفنيت حياتك كلها فيها . إن أهلك بالمفهوم الواسع، الأقرباء من جهة الطين والمنتسبين إليك بالسلاسل الروحانية، هؤلاء جميعا لا يزالون يدخلون السرور في قلوب الأطفال ويجعلونهم يبتسمون في أيام النحر كما عودتهم على ذلك.
والأتباع، والإخوة في الله ولله، لا يزالون يلبون دعوة سَرِينْج مصطفى وإخوته، ودائرة المقتفين بآثار الآباء والأجداد، في لقاء عاشوراء بمدينة تِواوُنْ، تحت رعاية الخليفة العام، الشيخ أبي بكر سي منصور، وقيادته المعنوية والروحية، نصره الله وأطال بقاءه وأمده بموفور الصحة والعافية، هو وكافة إخوته وأهله طينا ومبايعة.
من ينسى؟ ها قد رَحَلَتْ أيام النحر “تَبَسْكِ” عام ١٤٣٩ في شهر الغفران والمعافاة، واستهل عام ١٤٤٠ مع بزوغ فجر شهر الله المحرم، “تَمْخَرِتْ”، وتَرَكْتَنا يتامى الإحسان، مرتديا بردتك، بردة الكرامة التي لم تخلعه قط. وسموت في تلك الساعات المباركة إلى عالم الحقائق الكبرى. إن الأمور بخواتمها كما جاء في الحديث، وخاتمة حياتك، يا مرشد، تشكل لنا دليلا للحياة.
وهنا، يا سميي، دعني أتوجه إلى الله عز وجل، حامدا وشاكرا له على إنعامه إياي، إذ جعلني من أبناء السنغال، مسلما، حاملا اسمك، والفضل يعود إلى والدي، أرجو أن أكون وفياً لحُلُمِ والدي ، ولما أودعته فينا. وأدعوه عز وجل، دعوة موقن، أن يفيض عليك نفحات رحمته باستمرار، بحرمة إكليل الأنبياء وبحرمة هذا الشهر المحرم ، وعلى إخوتك ووالديك وأجدادك، على والدَيَّ وعلى كل من سبقوكم بالإيمان، إلى يوم اللقاء في الجنة. ءامين
وصلى الله وسلم على إكليل الأنبياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى