مقالات

تأبين: وإنا لفراقك يا أستاذ “مور ” لمحزونون

بقلم: الشيخ التيجاني سيك

وفي رحيلك إلى جوار ربك مازالت الصدمة تهز العقول لحدّ الوجْد والطيش والتشتُّت الذهني، فعمق الجراح في القلوب ومرارتها جعلها مشدوهة حائرة، تسبح العقول في مستنقعات بين الأحلام والخيال، بين الوعي والوله، تذهب كل المذاهب، متجهة اتجاهات متناقضة ومتعاكسة ، تارة تحاول تفسير هذه النّكبة بمجرد القضاء والقدر، وتستسلم كليا دون إعمال العقل أو التعليل، تترك يد القدر تتصرف في صلاحياتها الفضفاضة، وتنشر أجنحة سلطانها لتخترق كل الأراضي الوعرة، تهب زوبعتها الهوجاء لاستئصال كل ما يصعب استئصالها طوعا أو كرها، وتارة أخرى تتمرّد العقول وتنفعل انفعالا خارجا عن طوره لتفسير هذه الثّلمة الكارثية تفسيرا قد تغلب عليه العاطفة العمياء، وتتكلّف إرجاع الظواهر إلى غير أسبابها وتحليلها تحليلا غير منطقي، تطرح في باطن عقلها تساؤلات لما ذا وقعت هذه الكارثة ؟ ولم وقعت على فلان دون علان، كيف وقع على هذه الحالة الفجيعة دون غيرها ، لما ذا لم يتريث قليلا نظرا لأن الضحية على أعتاب مذاق الحياة!؟ تساؤلات وخواطر تجول في أذهاننا إذا وقعت مثل هذه الخطوب المفاجئة. قد لا يكون مصدر هذه التساؤلات اعتراضا على قدر الله، أو سخطا عليه. فالفطرة في حالة الذهول والذبول قد تسكت سكوتا مطبقا ليتكلم العقل مقامها، ” وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله!؟ “. فالانسان ضعيف بطبيعته، بكل ما يملك، بكل قلبه، بكل إحساسه، بكل تفكيره، عاجز عن كشف الحقائق وفك بعض الرموز الحياتية. قد يتخيل البعض إن الحياة لاتُضمر في طياتها إلا سهاما مصمية مسدّدة إلى الصالحين بناة المجد، منقذي الشعوب من الرذالة . أما سفلة الناس الحثالة، الذين يسعون في الأرض فسادا ويخرِّبون جمال الحياة بمعاولهم التخريبية قد تخطئهم هذه السهام التي اتخذت فِناء الصالحين مرماها ومرعاها، لكن الله “يمهل ولا يهمل”
فكأن فلسفة الموت أن يتصيّد الأبرار ، ويعزف أوتاره في أسماع العقلاء والصالحين ليستجيبوا نداءه طوعا ورغبة، ذلك النداء الرباني الذي فيه سعادتهم الحقيقية لا السعادة الوهمية الزائفة التي تضجُّ مناحي الحياة. فالموت نعمة محضة ورحمة محقَّقة، موت الصالح راحة لنفسه وحفاظ على ماتزود من الخير في أرصدته، حتى لا تُعكر يدُ الضياع والخراب صفوَ رصيده الخيري، وخصوصا في “دنيا الجنونات دنيا لا أساس لها” وموت الطالح راحة لنفسه وللناس حتى لا يتفاقم أمره، ويتزاحم شره عليه، ثم يتسرب الى أوصال المجتمع، لينقطع شريانه.
“إن الحياة وموت البدر مرحمة “
يقول طرفة:
أرى الموتً يعتام الكرام ويصطفي *
عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى الموت لا يرعى على ذي جلالة *
وإن كان في الدنيا عزيزا بمقعد
لم يكن في مخيلتنا “أستاذ مور جوب” بأنك ستفارقنا في زهرة حياتك في مقتبل عمرك.
إننا في حالة صدمة ، في غيبوبة نفسية. حقا إنها فاجعة أليمة، لا نملك إلا الاستسلام وتفويض أمورنا إلى الله، والرضا بقضاء الله وقدره
ورضني بالقضاء ربي مصبرني
على بلائك يارحمان يالله
كيف يتحمل هذه الخسارة الضخمة من يُكِنُّ لك حبا وتقديرا واحتراما، من يرى أسلوبك في الحياة خير أساليبها ؟ .. من يراك نموذجا واقعيا للوسطية والاعتدال، من يرى أنك تجمع بين التنظير والتطبيق، بين العلم والعمل. أبيت إلا أن تكون وراء الكواليس مختفيا ، سالما من لدغة حب الظهور والشهرة الشنيعة، تدبِّر ما يقيم أوَد الحياة، مع الحرص على الإفادة وتكوين شخصية الإنسان على ضوء الرؤية الدينية.
يستحيل ان يمسح في ذاكرتي أول مرة وقعت عيني على مُحياك المُشرق، وكنتُ صغيرا في السن، لكن ما زلتُ أذكر عرضك الرائع في كيفية تربية الانسان وتأكيد ذاته وفق الرؤى الدينية، يعجبني ويعجب غيري هدوءك وإلمامك بالمادة، وأسلوبك في التواصل الديناميكي أمام أمثالي الذين قد لا تكون عندهم خلفية مسبقة في مادة التربية وعلم النفس، لكن كفايتك في الأداء والتوجيه والإرشاد فريد من لونه، مع ما تتمتع من غزارة العلم والمعرفة والشجاعة الأدبية. كنت آية في الأدب والسلوك واللباقة، منفتح على الجميع بغض النظر عن الانتماءات والأعراق والمذهبية والحزبية، مع أنك تنتمي إلى مذهب معين وإلى حركة استرشادية لا محاباة ولا هوادة فيها. كم ذكرت لي أن برنامجك التلفزيوني القرآني منبر لكافة العلماء والمفكرين لاستنباط صروح فكرية علمية، ولم يكن ذلك مجرد كلمات معسولة تشنّف بها الأسماع بل طبَّقتها أرض الواقع، فقد استقطبت بواسطتي من ينتمون الى مذاهب أخرى، إلى ايديولوجية مخالفة لإيديولوجيتك ، ومع ذلك كله لا يشعر المُتابع خلال لقاءاتك التلفزيونية مع من يخالفك مذهبا ومنهجا أي توتُّر بينك وبينهم أو الإنحياز، أو العصبية او الحزبية، تتجرد للعلم والمعرفة وللحق ، دون الخوض في المسائل الفرعية الطفيفة التي تفرِّق شمل المسلمين.
كنت رمزا شامخا لوحدة المسلمين ونبذ الفرقة الشنيعة، فسيرتك العلمية خير شاهد على ذلك وقد تجاذبتَ كؤوس العلم مع من خالفت رأيا ومنهجا في الفروع التي يسوغ فيها الخلاف، ولا يعرقلك ذلك عن المزاملة والمواطنة ، وتبادل الخبرات والمودة في الكلية الإفريقية ببيكين، كل زملائك في ذلك الصرح العلمي شهدوا لك بالوسطية والإعتدال، والانفتاح على المخالف، وتقبل آراء الآخرين دون التميّع أو المداهنة أو التخلي عن منهجك ومبادئك.
وإن تعجب فعجب من كفاءتك ومقدرتك على توصيل المعلومة دون أي عناء في المتلقّي، بيداغوجية غير متكلفة أو مصطنعة، طلابك في إحدى المدارس الثانوية ذكروا لي مرة حرصك على مواظبة الحضور، والتقيد بأخلاقيات مهنة التعليم ، وأن أسلوبك في الشرح الإقتصار على العربية فقط دون اللجوء إلى اللغة المحلية، فأنت بذلك تسعى إلى كسر الحواجز بين الإقتصار على القواعد اللغوية المُجرّدة وعدم تنزيلها على أرض الواقع، ومعالجة مشكلة التعبير التي يعانيها كثير من دارسي اللغة العربية.
أصدقاؤك وإخوانك في العقيدة والإنتماء لا تزال صورتك الحسية ماثلةً في مرآة عقولهم، في تفكيرهم، في إحساسهم، لا تمسح في ذاكرتهم تلك الأيام الماتعة التي شاطرتها معهم وكلها خير ،كلها نعمة، كلها أخذ ورد، كلها جهاد عنيف للقضاء على الجهل وإرجاع الإنسانية إلى فطرتها الأصيلة” فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله” تحت ظلال الزعيم الباسل المغوار .
دعوت الى الخير عن طريق سلوكك السوي، عن طريق دماثة خلقك. محال أن تنفصم أجسُر الأخوّة الدينية والمودة بينك وبين معارفك، فقد قضيت معهم ردحا من الزمان.
إن الزمان الذي مازال يضحكنا *
أنسا بقربهم قد عاد يبكينا
من لنا بصوتك الندي الحلو يجري على سجيته دون التكلُّف.. في الجامعات الرمضانية واللقاءات العلمية الاسترشادية التي لا تغرب شمسها، ؟ تبعث أشعات متوهجّة في جميع أنحاء العالم ، تقتبس القلوبُ الحائرة من أشعتها اللامعة للخروج من مآزق الحياة.
أستاذ مور جوب قمَّة في الرقيّ والسموّ والرصانة، والجود بالموجود بكل ما يملك. أعجوبة في الفصاحة والبلاغة ووضع الأمور في سياقها، لا يتلعثم ولا يحاظل في المنطق ، يرصُّ الكلمات رصًّا ، ذات جرس رنان يجذب الانتباه.
فحروف اللغة ، ولو تحولتْ نورا وذهبا فهي عاجزة عن الوفاء بحقك ، فالمعاني والتعابير مع سعتها وغزارتها ضاقت أمامي لتأبين أمثالكم.
قصارى ما يقوله ضمير القلب المفعم بالحزن والأسى والعذاب.
إن محبتك أخذتْ بمجامع القلوب، واحتلّت فيها مكانة عالية.
إلى جنة الخلد ان شاء الله في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
عزائي لنفسي ولأسرته ولمن توثقت أواصر الروابط الدينية والمِهنية والودية بينك وبينهم.
شآبيب الرحمة مازالت تنهال على قبرك
آمين…
ابو رحمة كولدا 8 يوليو 2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: