د. عمر علي عيسى نيانغ
في حياتنا اليومية، كما في السياسة وإدارة الشؤون العامة، نواجه أحيانًا مشاهد تبدو للوهلة الأولى مجرد فوضى أو سوء تنظيم. لكن عندما تتكرر الظاهرة، وتصبح جزءًا من الحياة اليومية، فإن السؤال لا يعود: لماذا تحدث الفوضى؟ بل يصبح: كيف تحولت الفوضى إلى أسلوب في إدارة الواقع؟
«الفوضى المنظمة» ليست بالضرورة مؤامرة أو خطة خفية، وإنما قد تكون نتيجة تراكم طويل لضعف التخطيط، وتداخل الصلاحيات، وتعدد مراكز القرار، وغياب المساءلة، حتى يصبح الاضطراب نفسه جزءًا من طريقة عمل المؤسسات والمجتمع.
في الحياة اليومية، تظهر هذه الفوضى في تفاصيل تبدو بسيطة: إجراءات غير واضحة، مواعيد لا تُحترم، قرارات تتغير باستمرار، معاملات تنتقل من مكتب إلى آخر، ومواطن يبحث بنفسه عن المعلومة التي يفترض أن تكون متاحة له بوضوح. ومع الوقت، يحدث ما هو أخطر: يتحول الخلل إلى عادة، ويصبح التكيف مع الفوضى أكثر شيوعًا من محاولة إصلاحها.
أما في السياسة، فالمشهد أكثر تعقيدًا. فالغموض جزء طبيعي من العمل السياسي، والتفاوض يتطلب أحيانًا قدرًا من المرونة وعدم كشف جميع الأوراق. لكن عندما يصبح الغموض دائمًا، وتتضارب التصريحات، وتتغير المواقف دون تفسير، وتبقى القرارات معلقة، فإن ذلك يضعف الثقة ويجعل المواطن عاجزًا عن معرفة أين يبدأ القرار وأين تنتهي المسؤولية.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية: غياب المسؤولية الواضحة. فعندما تتوزع الصلاحيات بين جهات متعددة، يصبح من السهل تحميل المسؤولية للآخرين، بينما تستمر الأخطاء دون معالجة حقيقية. وقد تكون أخطر نتائج الفوضى ليست في سوء القرار وحده، وإنما في عدم معرفة من يتحمل مسؤولية هذا القرار.
وفي إدارة الشؤون العامة، يظهر الخلل بصورة أوضح عندما تتحول المؤسسات من التخطيط إلى إدارة الأزمات. تظهر المشكلة، فتُعقد الاجتماعات، وتصدر البيانات، وتُعلن الحلول المؤقتة، ثم تعود المشكلة نفسها بعد فترة بصورة جديدة. وهكذا يصبح التعامل مع النتائج أهم من معالجة الأسباب.
الدولة أو المؤسسة القوية ليست تلك التي لا تعرف الأزمات؛ فالأزمات جزء طبيعي من الحياة. وإنما القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التخطيط، واتخاذ القرار، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح الأخطاء، ومنع تكرارها.
والاستقرار الحقيقي لا يعني أن تبدو الأمور هادئة من الخارج، بل أن تكون هناك مؤسسات واضحة وقواعد يمكن للناس الاعتماد عليها. أما الهدوء الناتج عن تأجيل المشكلات، أو التعايش مع الاختلالات، فهو استقرار مؤقت قد يخفي وراءه أزمات أكبر.
لذلك، فإن مواجهة «الفوضى المنظمة» لا تبدأ فقط بتغيير الأشخاص، وإنما بإعادة بناء طريقة العمل نفسها: وضوح في الصلاحيات، شفافية في المعلومات، احترام للقانون، سرعة في اتخاذ القرار، ومساءلة حقيقية عند حدوث الخطأ.
في النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يمر بفترة من الفوضى، وإنما أن يعتاد عليها حتى تصبح جزءًا من ثقافته اليومية، وأن يتوقف عن المطالبة بالإصلاح لأنه تعلم كيف يتعايش مع الخلل.
فالفوضى العابرة يمكن إصلاحها، أما الفوضى التي تتحول إلى نظام، فتحتاج إلى إرادة حقيقية لإعادة بناء الثقة والمؤسسات.
فالاستقرار الحقيقي ليس غياب الفوضى، بل وجود نظام قادر على منعها، واحتوائها، وتصحيح أسبابها عندما تقع.




