مقالات

الحوار مبدأ أصيل في تراثنا الإسلامي

أ. محمود دافي

في خضمّ هذه المشاحنات الأنانية والمناوشات التي تعج بها الساحة الفكرية والدعوية ، إضافة إلى تلك الشتائم المتبادلة على منصات  وسائل التواصل الاجتماعي  بين حملة مشروع الدعوة والعمل الإسلامي ،ينبغي لنا أن نقوم بنفض الغبار عن هذا المبدأ الأصيل في تراثنا الإسلامي بما يعانيه من الضبابية في ظل هذه الأجواء الفكرية الساخنة ؛ لخلق آفاق فكرية نزيهة   تعزيزا لمفهوم التسامح واحترام التنوع ،كما أشار إليه أستاذي محمد الأمين خليفة سيلا-حفظه الله- في إحدى مقالاته  ؛لأن الحوار مبدأ إنساني وديني، وأنه من مقتضيات حياتنا المعاصرة لتهدئة الأوضاع وبث روح الانفتاح في الساحة.

يُعرّف الحوار في الفكر الإسلامي بتعريفات عديدة منها أن الحوار هو 🙁 (مراجعة الكلام والحديث بين طرفين أو أكثر، دون أن يكون بينهما ما يدل بالضرورة على الخصومة، بهدف الانتقال من تصور إلى تصور ومن قول إلى قول ، وصولا إلى التصورات الشاملة والمبادئ العليا)) إذن الحوار يهدف إلى فتح القنوات التي تؤدي إلى حسن التلقي والتفاهم  والاستجابة، ليس جدلا أو خصومة كما يفهمه البعض .

وبالرجوع إلى القرآن الكريم باعتباره مصدرا لا ينضب معينه سنرى أن موضوع الحوار أخذ حيزا كبيرا بين دفتيه ؛ حيث أصّل هذا المبدأ تأصيلا وقعّده تقعيدا في قضايا كثيرة مع الآخر ، وعلى رأسها القضية الكبرى المتمثلة بقضية الإيمان، مما يدل على أن هذا القرآن الكريم  لم ينأ بأية قضية مهما كانت قدسيتها من دائرة الحوار  ؛لكون الحوار وسيلة ناجعة من أساليب الدعوة والإقناع.

و لفاعلية الحوار في الفكر الإنساني حفل القرآن الكريم بذكر نماذج عديدة من الحوارات ، بعضها كان قبل خلق الإنسان ،ويتضح ذلك في عديد من الآيات منها قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة30((وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون ))فموضوع هذا الحوار الذي دار بين الخالق جلت قدرته مع ملائكته- كما نرى -هو الإنسان ، وبعد خلق هذا الإنسان استمرّت قضية الحوار حوله أيضا وخصوصا في حوار الله تعالى مع إبليس رغم أن الله هو العزيز الجبار وهو إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، تحاور -مع جلالة قدره-مع إبليس  قبل طرده ، وصوّر لنا القرآن الكريم هذه الحوارات في آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأعراف ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11)إلى قوله ((لأملأنّ جهنم منكم أجمعين ))18 فموضوع هذا الحوار أيضا هو الإنسان إلا أن التكبر هو الذي منع إبليس من الانقياد لأمر الله تعالى ،فالآية كما قال -أهل العلم -تؤكد على مبدأ قياس الأولوية في الحوار ،فإذا كان الحوار ممكنا مع إبليس اللعين فمن باب أولى أن يكون ممكنا ومتحققا بين المسلم وأخيه المسلم المخالف له في الفروع ،وكذلك بين المسلم وأخيه من بني جنسه المخالف له في الدين .
وحاور الله أيضا الإنسان الأول على وجه هذه الأرض آدم عليه السلام في آيات كثيرة ،كما أن الرسل والأنبياء-عليه السلام-تبنَوْا أسلوب الحوار العقلاني مع أقوامهم في دعوتهم إلى الله ،فها هو إبراهيم -عليه السلام – يستخدم هذا الأسلوب الحواري الشيّق مع أبيه وقومه بطرح الأسئلة إليهم واستجوابهم ليبين لهم سذاجة عقولهم وفساد عقائدهم بكل أدب وموضوعية بعيدا عن منطق الإرغام والعنف يقول الله تعالى حكاية عنه ((ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ))إلى قوله ((أفّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ))67-51 من سورة الأنبياء، فإبراهيم استخدم هذا المنهج الرائع وكذلك بقية الأنبياء والرسل -عليهم السلام- كما جاء في القرآن الكريم لكن بعض أقوامهم  مالوا عن الحق بسبب تلك الوصاية الفكرية والذهنية التي ورثوها من الآباء و الأجداد، ((وجدنا آباءنا لها عابدين ))وكل هذه الحوارات  تمثل أصولا ثابتة  ينبغي الرجوع إليها والاستفادة من معطياتها في علاقة المسلم مع أخيه من بني جنسه المخالف له في الدين ،وكذلك في علاقته مع أخيه المسلم المخالف له في المسائل الفرعية الاجتهادية والتوجهات الفكرية والمذهبية؛ ليتعامل معه في جو يسوده الوئام والاحترام المتبادل لإقامة نسيج اجتماعي مبني على التعايش السلمي واحترام الخصوصية .
ويمكن اعتبار القرآن الكريم أول كتاب أرسى دعائم الحوار ووضع له مبادئ وآدابا سامية يهدف إلى تحقيقها ومن هذه المبادئ:
1-معيارية الحق: أي أن بواعث الحوار وغايته هي طلب الحق لا الغلبة أو إبداء مهارات الكلام والتفنن فيها  .

2-التحرر من رواسب الأحكام المسبقة ؛لأن ذلك يمثل تنظيفا فكريا ومنهجيا من طريق الحوار ؛ليسلم الطريق من الشوائب المعوقة كما في قول الباري ((وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)) سبأ 24. فهذه الآية تجعل المتحاورين أمام البراهين العلمية الحيادية دون الحكم مسبقا بأرجحية مذهب أو معتقد؛ ليكون الطرفان على مسافة واحدة من حيث الشعور بالحاجة إلى معرفة الحق واتباعه.
3-اعتبار الحق أمرا محتملا ،ينبغي أن نفهم أن الرأي الفكري نسبي الدلالة على الصواب أو الخطأ ((رأيي صواب يحتمل الخطأ ،ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب)) ((وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ))ولذلك عندما  ندخل في حلبة الحوار ينبغي أن نعي ذلك، وتكون البراهين العلمية والعقلية هي الفيصل بيننا .

4-رَفْض أن يكون التقليد أساس الحوار؛ لأن التقليد الأعمى معضلة كبرى تجمد إعمال العقل وتعطل طاقة الفكر ((وإذ اقيل لهم  تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لوكان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون )) 104 المائدة ،ومن الطرائف في هذه المسألة ما نُقل عن  الإمام الماوردي -رحمه الله -في كتابه- أدب الدنيا والدين- أنه كان يحاور رجلا في مسألة، كلما ذكر له الأدلة يقول له الرجل :إنها باطلة ،فسأله الإمام عن سبب البطلان فقال له الرجل :لأن شيخي لم يذكرها ،ومالم يذكره شيخي فهو باطل !!فالتفت الإمام إلى من بجواره وقال: أفحمني بجهله .
ينبغي الالتزام بالمنهجية العلمية في الحوار .
5-العلم بموضوع الحوار ،ينبغي أن يبدأ الحوار من العلم وينتهي إلى العلم وهذا هو الحوار الإيجابي الفعّال ؛ولذلك ذم الله اليهود بسبب خوضهم في أمور لا علم لهم فيها ((هاأنتم هؤلاء حاججتم فيمالكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) آل عمران 65،فهذا بعض من المبادئ التي أصّلها القرآن الكريم في تعاليمه.
إن الحوار لا يثمر ولايؤتي أكله في الساحة الفكرية إلا إذا روعيت آدابه الآتية: :
1- الابتعاد عن الأجواء الانفعالية في ساحة الحوار، والاتصاف برحابة الصدر مع حسن الاستماع إلى الطرف الآخر.
2- عفة اللسان حتى إذا كان الحوار مع المخالف في الدين يقول المولى ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم )) الأنعام 180، ناهيك عن أخيك المسلم المخالف لك في التوجهات والرؤى في بعض المسائل الفرعية الاجتهادية.
3- تهيئة النفس لقبول النتائج
4- الاعتراف بالآخر واحترامه وعدم الاستهزاء أو الاستعلاء عليه.
5- أن يكون موضوع الحوار حول الفكرة لا المُفَكِّر، وبمعنى آخر أن يكون حول المقولة لا القائل؛ حيث يكون الحوار مركّزا على مقولة القائل دون التعرض لشخصيته والنيل من أعراضه.
6_أن يتبرأ من الخطأ لا المخطئ ونرى ذلك واضحا في تطبيقات النبي -عليه الصلاة والسلام _لهذا الدين كما فعل عند ما أخطأ خالد بن الوليد في بعض تصرفاته الحربية، فرفع النبي -عليه السلام -يديه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد. فهو لم يتبرأ من خالد لكن تبرأ من فِعله الخاطئ، هذا بعض من الآداب التي أرسى دعائمها الإسلام في حلبة الحوار البناء.
وبعد هذا التطواف ندرك أن الحوار كان نهجا أصيلا في دعوة الأنبياء والرسل-عليهم السلام- ولم يُهملوه في تعاملهم الدعوي مع الشرائح المكونة لأقوامهم ومجتمعاتهم مهما كانت صفاتهم ووضعيتهم كما نرى ذلك في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة أيضا ذكرت لنا نماذج كثيرة في هذا المضمار ،على سبيل المثال ،بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام -اختلف الصحابة -رضوان الله عليهم -حول الخلافة، من يُنتخب؟ وما الصلاحيات التي ينبغي أن تتوفر في شخصية الخليفة؟ هل الصلاحيات التي توفرت في شخصيته -عليه الصلاة والسلام -هل  ذاتُها هي التي ينبغي أن تتوفر في شخصية الخليفة ؟
تحاوروا في هذه المسألة كغيرها من المسائل التي اختلفوا فيها وتبنَوْا أسلوبا حواريا عقلانيا مستندين إلى النصوص حتى توصلوا إلى نتيجة مرضية للجميع، فتحولت اختلافاتهم إلى ظاهرة إيجابية كثيرة الفوائد ؛لالتزامهم بهذا الحوار العقلاني الذي يرسخ الألفة والمحبة والوئام بينهم  وإن اختلفوا في الرؤى والتوجهات الفكرية في بعض المسائل ؛لأن الإسلام يدعو إلى التعارف والتآلف، ويُدني قلوب معتنقيه بعضها إلى بعض  وخاصة حملة المشروع الدعوي والعمل الإسلامي .
إن الحوار في المسائل الفرعية الاجتهادية إذا تأدبنا بآدابه ونصبنا الأهداف السامية نصب أعيننا سيكون رياضة للأذهان ، وتلاقحا للآراء ،وفتحا لمجالات تفكيرية للوصول إلى حلول مناسبة في الساحة الفكرية والدعوية ،وإذا خرج الحوار عن هذه الأُطر إلى التناحر والتشاتم والتشاجر والشقاق بين الأطراف في المسائل الاجتهادية كما نرى ذلك في الساحة ،فإنه سيكون ظاهرة سلبية سيئة العواقب تُحدث شرخا في الأمة، وستقسمها إلى كيانات متناحرة يسهل هضمها وابتلاعها لدى الأعداء.
كاتب وباحث غامبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: