Articles

الحجاب: قصة قطعة قماش حاربت امبراطوريات

د. وجيه بن حجر

جلست مع نفسي أفكر؟
لماذا مسألة الحجاب بالتحديد هي التي يثار الهجوم عليها من وقت لآخر؟
وقلت: وراء الأكمة في هذا الموضوع ما ورائها…
فلابد من كشف السر وراء الهجوم المتكرر عليه.
لنبدأ الرحلة بهدوء، من الخارج إلى الداخل.
لماذا قطعة قماش بسيطة تثير كل هذا الجدل العالمي؟
لماذا تستنفر الجيوش الإعلامية والسياسية لمحاربتها بين الحين والآخر؟
السر ليس في القماش، بل فيما يمثله هذا القماش.
أولاً: السر وراء الهجوم – لماذا الحجاب بالذات؟
الهجوم المتكرر على الحجاب ليس عشوائيًا، بل هو هجوم مدروس ومنظم، لأنه يضرب على “العصب الرمزي” للأمة. #الحجاب ليس مجرد “زي”، بل هو:”علم وهوية بصرية”:
١-الحجاب هو “علم متحرك” يعلن عن هوية صاحبته دون أن تتكلم.
في شوارع باريس أو نيويورك أو القاهرة، المرأة المحجبة تقول بصمت: “أنا مسلمة، ولي مرجعية قيم وأخلاق مختلفة”.
هذه الهوية البصرية الواضحة هي ما يزعج دعاة “العولمة” و”الذوبان الثقافي” الذين يريدون عالمًا بلا هويات، أو بهوية واحدة فقط هي الهوية المادية الغربية.
هم لا يحاربون صلاتك في غرفتك، بل يحاربون “إعلانك” عن دينك في المجال العام..
٢-“رمز العفة في مواجهة الإباحية”:
الحجاب، في جوهره، هو إعلان عن فلسفة مختلفة للجسد. هو يقول: “جسدي ليس سلعة رخيصة متاحة لكل عين، وقيمتي ليست في مقدار ما أكشفه منه، بل في عقلي وشخصيتي وروحي”.
هذه الفلسفة هي “نقيض مباشر” لفلسفة الرأسمالية الحديثة التي قامت على “تسليع جسد المرأة” لبيع كل شيء، من السيارات إلى علب السجائر.
عندما تختار المرأة الحجاب، هي تسحب “الأصل الأهم” من هذه المنظومة، وهو جسدها. وهذا يمثل تهديدًا اقتصاديًا وثقافيًا مباشرًا لهذه الإمبراطوريات..
٣-“آخر قلاع الأسرة”:
هم يدركون أن المرأة هي “حارسة القيم” في الأسرة. وبإسقاط حجابها (الظاهري والباطني)، يسهل إسقاط منظومة القيم بأكملها.
الهجوم على الحجاب هو جزء من معركة أكبر لتفكيك مفهوم “الأسرة التقليدية” واستبدالها بأنماط أخرى من العلاقات لا تعترف بقدسية أو استمرارية.
هم يرون في حجاب المرأة آخر خط دفاع يحمي هذه القلعة.
٤-“صناعة عقدة النقص”:
الهجوم يهدف إلى زرع شعور بالدونية والنقص لدى المرأة المسلمة. #يربطون الحجاب بكل ما هو “رجعي” و”متخلف”، ويربطون “التبرج” بكل ما هو “تقدمي” و”متحضر”. #الهدف هو أن تشعر المحجبة بالخجل من هويتها، وأن تشعر المتبرجة بالاستعلاء الزائف، فينشأ صراع داخلي في المجتمع يستهلك طاقته، بدلاً من توجيهها نحو البناء والتقدم الحقيقي..
الخلاصة:
هم لا يحاربون قطعة قماش، بل يحاربون “الهوية” و”العفة” و”الأسرة” و”الثقة بالنفس” التي ترمز إليها هذه القطعة من القماش.
ثانيًا: حقيقة الأمر – ما هو الحجاب في ديننا وغيره؟
الحجاب في الإسلام (تشريع إلهي لا عادة اجتماعية):
على عكس ما يروجون، الحجاب في الإسلام ليس عادة عربية أو تقليدًا اجتماعيًا، بل هو تشريع إلهي واضح وصريح، له حكمة عظيمة.
الدليل القاطع:
سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ…﴾ (النور: 31)..
التحليل : “الخُمُر” (جمع خِمار) هو غطاء الرأس.
و”الجيوب” هو فتحة الصدر.
الأمر الإلهي واضح: “ليضربن” أي ليلقين بأغطية رؤوسهن لتغطي ليس فقط الشعر، بل تمتد لتغطي منطقة الصدر.
هذا النص لا يقبل التأويل #في أصل تغطية الرأس.
سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (الأحزاب: 59).
التحليل: “الجلباب” هو الثوب الواسع الذي يغطي الجسد.
والعلة واضحة كالشمس: “ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ” (أي تُعرف بأنها امرأة حرة عفيفة، لا أَمَة أو بغي)
“فَلَا يُؤْذَيْنَ” (فلا تتعرض للمعاكسة والأذى).
فالحجاب تشريع وقائي لحماية المرأة وتكريمها، لا لقمعها.
الحجاب في الشرائع الأخرى (حقيقة تاريخية مغيّبة):
المفاجأة التي يحاولون إخفاءها هي أن الحجاب لم يكن يومًا خاصًا بالمسلمين، بل كان رمزًا للعفة والطهر في اليهودية والمسيحية قبل الإسلام.
في اليهودية:
تغطية الشعر كانت واجبة على المرأة المتزوجة، #وكشفها لشعرها في الأماكن العامة كان سببًا كافيًا للطلاق دون حقوق. #ولا تزال طوائف يهودية متدينة (الحريديم) تلتزم به حتى اليوم.
في المسيحية:
انظر إلى أيقونات وصور السيدة مريم العذراء، هل تجدها إلا محجبة؟
لقد كانت رمزًا للطهر والعفاف.
القديس بولس (وهو شخصية محورية في المسيحية) يقول في رسالته إلى أهل كورنثوس: “احكموا في أنفسكم: هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى الله وهي غير مغطاة؟…
فإن كانت المرأة لا تتغطى، فليقص شعرها!”.
الخلاصة:
الذي حدث ليس أن الإسلام “اخترع” الحجاب، بل أن الإسلام “أعاد إحياء” هذا الرمز الفطري للعفة بعد أن بدأت الحضارات الأخرى في التخلي عنه.
الكلمة الأخيرة: من القمع إلى القوة

هم يقولون: “الحجاب قمع للمرأة”.

والمنطق يقول: هل إجبار المرأة على خلع ملابسها لتُقبل في وظيفة أو إعلان هو الحرية، أم أن اختيارها الواعي لستر جسدها لتُقيّم بعقلها هو الحرية؟
هم يقولون: “الحجاب يعيق المرأة عن العمل والنجاح”.
والواقع يقول: ميادين العمل والجامعات والمستشفيات اليوم مليئة بالمحجبات الناجحات المتفوقات اللاتي أثبتن أن قطعة القماش لا تعيق العقل المبدع.
إن الحجاب، عندما تفهمه المرأة عن وعي وقناعة، يتحول من مجرد “واجب” إلى “قوة”.
قوة تمنحها الثقة، وتحررها من قيود النظرة الشهوانية، وتجعلها سيدة قرارها، لا أسيرة لتقلبات الموضة وأهواء الرجال.
أسأل الله أن يثبت بناتنا ونساءنا على الحق، وأن يرزقهن فهم دينه فهمًا واعيًا، وأن يجعلهن منارات هدى وعفة في زمن الفتن.
والحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى