actualite

التعايش الإسلامي المسيحي السنغال نموذجا

لقد عرف السنغال منذ وقت طويل التعايش الإسلامي المسيحي، قبل أن يكون هذا الأخير موضوع ساعة يشغل بال الساسة والإعلاميين…

فعند تصفح تاريخ السنغال، نجد أن مسلميها ومسيحييها قد جسدوا هذا التعايش السلمي والأخوي في وقت لم يكن فيه هذا الموضوع موضع اهتمام…

ففي قرية (فاجوت) نجد المسيحيين والمسلمين يشاركون معا في بناء المسجد والكنيسة، كما يدفنون موتاهم في مقبرة واحدة. حيث يرون أن هناك روابط اجتماعية تربطهم قبل أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين؛ حسب تعبير بول أندور Paul Ndour أحد رهبان كنيسة القرية.

أمّا إمام مسجد القرية – سابقا- الحاج شيخو جوخ، فيقول : ” الحمد لله، أنا في وضع يمكنني من أن أروي ما عاشته القرية من التعايش الأخوي بين المسلمين والمسحيين، حيث إني بلغت من العمر أربعا وثمانين عاما، ولم أر يوما إلا التعاون والتعاضد المتبادل بيننا، حيث لم يشعر المسلمون بأقليتهم وسط المسيحيين البالغين سبعة وتسعين بالمائة من سكان القرية؛ وكأننا من أمّ واحدة”.

وبالمقابل، نجد عدد المسلمين في قرية Poponguine بوبونغين يتجاوز ضعف عدد المسيحيين، مع أن هذه القرية هي قبلة المسيحيين الكاثوليكيين في السنغال، حيث يحجون إليها في (حرم السيدة مريم le Sanctuaire Marial) مما جعل البعض يظّنون أن هذه القرية مسيحية بالكامل، غير أن صوت المؤذن يتبادل مع صوت الناقوس، حيث ترتفع منارة المسجد وسط القرية.

يقول أحد مسؤولي القرية (بيتير جون Baïtire Dione): “لا يتضايق طرف من الأطراف، لا من صوت الجرس ولا من صوت المؤذن، لأننا كنّا نعيش أسرة واحدة قبل اعتناق الديانتين، إذن، فلا يمكن أن نفترق بعده؛ وقد شاركنا جميعا في بناء المسجد والكنيسة، فهما بيتان لله؛ وقد شهد هذا التعايش السلمي مثله الأعلى حين شارك الثاني في زيارته للحرم أثناء مجيئه للسنغال في عام 1992م.

وبديهي جدّا، أن تجد أسرة منقسمة على الديانتين- في هذه القرية – مثل أسرة (موسينير ياسينت تياندوم Monseigneur Hycinthe Thiandoum) الرئيس السابق للكنيسة الكاثوليكية بدكار، حيث كان ابن أخيه مؤذن القرية” .

والأمثلة هذه وغيرها من التعايش السلمي المتبادل بين مسلمي السنغال ومسيحييها، تجعل أن لا غرابة في تأييد الطريقة المريدية لرئاسة سنغور، هذه المسيحي الذي قاد البلد مدة عقدين من الزّمن علما بأن نسبة المسلمين في هذا البلد يبلغ خمسة وتسعين بالمائة‘ مما يجعل غير بديهي أن يتمكن شخص من الأقلية أن يتبوأ لهذا المكان ولهذه المدة، لو لا تجاوز هذا الشعب الحواجز العرقية والدّينية…

يقول القسيس( جاك سيك Abbé Jacque Seck ) في مقابلتي معه في محاضرة جمعتنا في مدينة بامبي بتاريخ 22 سبتمبر 2007م :” إنّ الشّيخ محمد الفاضل أمباكي هو الذي مكنّ سنغور من كرسي الرئاسة، لأنه كان كلما اشتد الوطيس التجأ سنغور إليه”.

وأضاف على ذلك قائلا: “كان الشيخ محمد الفاضل ذا رأي صاخب مكنّه من أن يعرف بأن هناك قاسما مشتركا بينه وبين سنغور وهذا القاسم المشترك هو الوطن؛ وكونه خليفة للطائفة المريدية كان يجعله يحرص كلّ الحرص على استقرار البلد وأمنه مراعاة لسلامة أتباعه؛ وكان يرى أنّ سنغور كان الرجل الأنسب لذلك – آنذاك-” .

والخلاف الذي نشب بين سنغور ومامادو جاه رئيس وزرائه الأسبق، في عام 1962م، أبرز انحياز الطريقة المريدية، بل خليفتها نحو سنغور، مما أثار تساؤلات وانتقادات كثيرة عن كيف يؤيد خليفة المريدية، وغيره من الزعماء المسلمين سنغور، مع أنّ جاه كان مسلما ؟؟

والتسامح الديني الذي أوردنا أمثلة عنه – سلفا- قد يكون إجابة عن بعض هذه الانتقادات والتساؤلات! ثم إنّ سنغور بحنكته السياسية استطاع أن يحسم الخلاف بينه وبين مامادو جاه لصالحه، حيث تمكّن من أن يورّط خصمه بتهمة بناء سجن يستعد لإقحام بعض المشايخ فيه ممّا نقص من شعبية هذا الأخير -أولا -، ثمّ أن سنغور استطاع أيضا أن يحرك مشاعر المريدين – ثانيا- حين صرح بأن همّه الأوّل هو مشروع تكملة مسجد جامع طوبى الكبير، هذا المشروع الذي كان يراه الشيخ محمد الفاضل وأتباع المريدون مشروعا مقدسا.

ولتأييد الطريقة المريدية للرئيس سنغور – حتى بعد وفاة الشيخ محمد الفاضل – أثر كبير في نفوس المسيحيين مما جعلهم ينسون أقليتهم داخل هذا الشعب المسلم، وهذا الأثر مازال يرسم بصماته داخل هذا الشعب المسلم حتى في وقتنا الرّاهن. فهاهو القسيس جاك سك يساهم وإخوته المسيحيون في تكملة مسجد قرية زمزم بالمرين Zamzam Palmarin التي يعيش فيها المسلمون نفس الوضع الذي يعيشه مسلمو جوال فاجوت؛ مثلما وقف القسيس مع مسلمي جوال في بناء مسجدهم الجامع.

وربّما هذا الموقف الأخوي مع المسلمين، هو الذي دفع مسلمي قرية زمزم يحتفلون بمناسبة تعيينه قسيسا Prêtre ، حيث دعا إمام القرية- آنذاك- إلى أن يشارك كل رجل وامرأة بمبلغ مالي لإقامة حفلة بمناسبة ترقية جاك سيك في السّلم الكنسي.

وهكذا، نجد أن الشعب السنغالي بهذه التجارب استطاع أن يتجاوز الحواجز الدينية التي تعاني منها بعض الشعوب، مستفيدا من التسامح الدّيني ما يجعل أبناء الأسرة الواحدة منه يجلسون على مائدة طعام واحدة مع اختلاف عقائدهم.

إعداد/ الدكتور محمد أمباكي جوف، أستاذ بجامعة غاستون بيرجي، سان لوي، السنغال
dioufmmbacke@gmail.co
m

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى