أحمد ولد الدوه الشنقيطي
تكشف التطورات الأخيرة في مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية، عقب استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو، عن حقيقة سياسية لافتة: فبينما تتنافس القوى الدولية على رسم مستقبل النزاع، تبدو أفريقيا، رغم أن القضية تدور على أرضها وتمس أمنها واستقرارها، عاجزة عن امتلاك مبادرة دبلوماسية موحدة ومؤثرة.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً جوهرياً حول موقع الاتحاد الأفريقي وحدود قدرته على التأثير في واحد من أقدم النزاعات في القارة، خصوصاً أن المغرب والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية يجمعهما إطار مؤسسي واحد منذ عودة الرباط إلى الاتحاد عام 2017.
لقد جعل هذا الوضع الاتحاد الأفريقي أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها المواقف السياسية للدول الأعضاء، بين مؤيد للموقف المغربي ومقترح الحكم الذاتي، وداعم لحق الصحراويين في تقرير المصير، ودول أخرى تفضل الحياد وتجنب الاصطفاف. ونتيجة لذلك، أصبح التوافق القاري بشأن القضية أمراً بالغ الصعوبة.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الاتحاد الأفريقي يفتقر إلى الأدوات المؤسسية للتدخل؛ فقد سبق أن أقر آلية للتنسيق الدبلوماسي تضم الترويكا الرئاسية ورئيس المفوضية، بهدف دعم جهود الأمم المتحدة وتشجيع الأطراف على استئناف الحوار. غير أن هذه الآلية لم تتحول إلى مبادرة سياسية مستمرة بحجم التحديات القائمة.
لقد كشف الفيتو الروسي، في المقابل، أن مستقبل النزاع لا يزال خاضعاً بدرجة كبيرة لحسابات القوى الدولية، وأن الخلاف بين موسكو وواشنطن بات مؤثراً في طبيعة المقاربات المطروحة للتسوية. وفي خضم هذا التجاذب، لا تزال أفريقيا تراقب أكثر مما تبادر، رغم أن تداعيات استمرار النزاع تقع بالدرجة الأولى على دول المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا الضعف عن التنافس المغربي الجزائري، الذي تجاوز الخلاف حول الصحراء إلى صراع أوسع على النفوذ والتحالفات الإقليمية.
فقد ساهم هذا التنافس في تعقيد مهمة الاتحاد الأفريقي، وحوّل القضية في أحيان كثيرة إلى امتداد للخلافات الثنائية، بدلاً من أن تكون مدخلاً لتوافق قاري يخدم الاستقرار المشترك.
وفي هذا السياق، تبرز موريتانيا بوصفها دولة ذات أهمية استراتيجية، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية وحرصها على تجنب التصعيد.
وهو ما يفرض عليها مواصلة سياسة التوازن، ودعم المساعي السياسية والأممية، والعمل مع شركائها الأفارقة من أجل منع تحول النزاع إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار في المنطقة.
إن المطلوب اليوم من الاتحاد الأفريقي ليس فرض حل بعينه، ولا منافسة الأمم المتحدة على مرجعيتها، وإنما استعادة دوره في تقريب وجهات النظر، وتفعيل آلياته الدبلوماسية، والمساهمة في تهيئة مناخ تفاوضي يحترم الالتزامات الدولية وحق الصحراويين في تقرير المصير، ويراعي في الوقت ذاته المصالح الأمنية والسياسية لدول المنطقة.
فالقضية أكبر من أن تظل رهينة التنافس بين العواصم الدولية أو الحسابات الإقليمية الضيقة. والتحدي الحقيقي أمام أفريقيا هو الانتقال من إدارة الانقسام إلى المشاركة الفعلية في صناعة التسوية.
فهل يستعيد الاتحاد الأفريقي زمام المبادرة في نزاع يدور داخل بيته، أم يظل متفرجاً على قرارات تصنعها موسكو وواشنطن بينما تتحمل دول القارة كلفة استمرار الأزمة؟




