بقلم باسيديا درامي
خلال الفترات الانتخابية، كثيرا ما يتعهد السياسيون بتحسين أوضاع المدارس العربية والإسلامية، أو ما يعرف بالمدارس القرآنية، سعيا إلى استمالة هذه الفئة وكسب أصواتها. وقد أطلق زعيم المعارضة الرئيسي، المحامي حسينو دابو، تعهدات من هذا القبيل خلال حملة انتخابات عام 2021. ومع اقتراب غامبيا من الانتخابات الرئاسية الحاسمة لعام 2026، تعهد زعيم حزب «يونيت» (UNITE)، طالب بنسودة، بدوره بتعيين مواطنين ناطقين بالعربية في مناصب دبلوماسية لدى الدول العربية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين هي السياسات المستدامة التي تضمن الاعتراف الحقيقي بالمتعلمين بالعربية، بعيدا عن الوعود الانتخابية المؤقتة؟
ويبدو أن أيا من الأحزاب السياسية لم يضع حتى الآن سياسات واضحة وملموسة للارتقاء بمكانة المتعلمين بالعربية وإدماجهم بصورة عادلة في مؤسسات الدولة؛ بل إن هذه الفئة السكانية غالبا ما لا تحظى بالاهتمام السياسي إلا خلال الحملات الانتخابية، عندما تصبح أصواتها هدفا للمنافسة والاستقطاب.
والحال أن الغامبيين الذين تلقوا تعليمهم في البلدان العربية يمتلكون اليوم خبرات وتخصصات متنوعة تشمل القانون، والهندسة، والعلوم والتكنولوجيا، ودراسات الترجمة، والشريعة الإسلامية، واللسانيات، والإدارة، والسياسة، وعلم الاجتماع، والطب، وغيرها من المجالات. ولم يعد من المقبول اختزال هذه الكفاءات في صورة «معلمي القرآن» أو حصر أدوارها في المساجد والفصول الدراسية.
لقد آن الأوان لوضع حد للوصمة التي تلحق بهذه الشريحة الحيوية من المجتمع، والاعتراف بأن التعليم العربي، شأنه شأن غيره من مسارات التعليم، يمكن أن يكون رافدا مهما من روافد بناء الدولة وتطوير مؤسساتها.
إن هذه الوضعية تستدعي تغييرا حقيقيا في النظرة والسياسات والممارسات. وعلى المتعلمين بالعربية أن يدافعوا بصورة فاعلة عن حقوقهم ومكانتهم، وأن ينخرطوا بقدر أكبر من الحزم والثقة في المشهد السياسي والعام، وألا يظلوا في موقع المتلقي السلبي للوعود الانتخابية. فالمطالبة بالاعتراف لا ينبغي أن تقتصر على انتظار مبادرات السياسيين، بل يجب أن تتحول إلى قضية عامة يتبناها أصحاب الكفاءة أنفسهم، من خلال التنظيم والمشاركة السياسية والمجتمعية، والمطالبة بسياسات عادلة تضمن تكافؤ الفرص.
فقد أثبتت التجارب أن الكفاءة لا ترتبط بلغة التعليم، وأن من تلقوا تعليمهم بالعربية قادرون، متى أتيحت لهم الفرصة، على الإسهام في مختلف قطاعات الدولة والمجتمع. وما تحتاجه غامبيا اليوم ليس مزيدا من الوعود الموسمية، بل رؤية واضحة تعترف بهذه الكفاءات وتستثمر فيها، وتضع حدا لعقود من التهميش والاختزال.
إن الغامبيين المثقفين والدارسين بالعربية ليسوا مجرد «معلمين للقرآن»، ولا ينبغي أن تبقى مؤهلاتهم حبيسة زوايا الفصول والمساجد. إنهم جزء أصيل من النخبة العلمية والمهنية في البلاد، ومن حقهم أن يحظوا بالاعتراف الذي تستحقه كفاءاتهم، وأن تكون أمامهم الأبواب نفسها التي تفتح أمام غيرهم.



