فاضل المأمون جوب
كانتْ في بداياتِ عام 2000م، رأيتُ بطاقةً ذات لونٍ مزدوج بين الأزرق والأصفر، وفيها صورة رجلٍ أصلعٍ، وبجانبهِ صورة ذرةٍ، مكتوبة عليها كلمة “Sopi” (التغيير)، صرتُ أطرحُ أسئلة صبيانيةٍ لخالةٍ لي، من يكونُ هذا الرجل؟ وما مهمَّة هذه البطاقة؟ ما معنى الانتخابات الرئاسية؟
كانَ السيد عبد الله وادْ، الأب الحقيقي للديموقراطية السنغالية الرَّجل الذي أحدثَ أكبر تغييرٍ حقيقي في التاريخ السياسي السنغالي منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، خاض المعارضة السياسية منذ عامَ 1974م، وظلَّ الصوتُ الذي يمثِّل المعارضة الحقيقية للسياسة السنغالية لأكثر من 25 سنةً.
علَّم فيها الشعب السنغالي أنَّ هؤلاء الحكَّـام ليسُوا سوى موظَّفين منتخَبين في خدمتِهم، وأنَّهم ليسُوا ملوكاً عليهم، ولا سلاطين فوقَهم، عندما كانُوا يحكمون الدولة بالاستبداد والتغطرس، وبكل اختصار: “علَّم الشعب السنغالي أنَّ التغيير السلمي أمرٌ ممكنٌ في بلدٍ لم يعرفْ تغييرا حقيقيا لمدة أربعين سنة”.
ومن عام 2000 إلى 2012، في غضون 12 سنةً أنجزَ في الساحة السياسية السنغالية ما عجزَ عنه النظام ذات 40 سنة، علَّم فيها الشعب السنغالي معنى الديموقراطية الحقيقية، علَّمهم معنى أنْ تعبِّر عن رأيك، وتعارضَ الحكومة ورئيس الدولة دون أن تتعرَّض للأذى أو الحبس.
أطلق الوسائل الإعلامية، بعد أن احتكرهَا النظام قبله لمدة 40 سنة، بغرض تضليل الشعب، وجعلهم لا يرون سوى محاسن الدولة، (إن كانَ لها محاسن)، وأجمل شيءٍ قام به أنَّه قاومَ فرنسا التي ظلَّتْ لمدة أربعين سنة تحكمُ على مستقبل السنغال، ويتبعُها (ما يعتبر دولةً سنغالية) تبعيةً أعمى، فاللغة المتحدثة في الوسائل الإعلامية هي لغتُها، والبرنامج الدراسي هو برنامجها، والدستور الوطني نسخة لصقٍ للدستور الفرنسي، بل، والجيش الفرنسي ذات القواعد العسكرية في السنغال هو الرأس المدبِّر للأمن الوطني.
جاء أبو التغيير السياسي الحقيقي، السيد “عبد الله واد” المشهور بـ”Sopi” (التغيير)، ليقلِّبَ الأوضاع رأساً على العقب، يخاطبَ الشعب باللغة المحلية التي يفهمها أكثر من 95٪ من الشعب السنغالي، وغيَّر الكثير من النظام التعليمي، بل، وأدرج التعليم الإسلامي في جميع المدارس الحكومية في المرحلة الابتدائية، بل، وابتكر نظام التعليم العربي الفرنسي من الابتدائية إلى الثانوية، وقالَ للموهوسين بفرنسا وثقافتها: (إنَّ الشعب السنغالي ذات 96٪ من المسلمين له الحقُّ في تعلُّم دينهِ، ولغة علمائه الكبار أمثال القاضي عمار فال، والحاج عمر الفوتي والشيخ أحمد بامبا والحاج مالك سي).
وأنشأ جامعات وطنية عديدة، وغيَّر الدستور الوطني بشكل ملموسٍ، وبحثَ عن سياسية اقتصادية مستقلةٍ عن فرنساَ، وعقدَ علاقاتٍ اقتصادية مع دولٍ عديدة من الإمارات والصين وإيران وغيرها، بعد أن باتت فرنسا الدولة الوحيدة التي تملكُ حقّ التعاونِ الاقتصادي مع السنغال، أو بالأحرى الاستغلال الاقتصادي، وطردَ الجيش الفرنسي من جميع الأراضي السنغالية، لاسترجاع الهيبة الدفاعية الوطنية.
وشرعَ مشاريعَ عديدة، فبنى الطُّرق، وشقَّ الشوارع، ووفَّر وسائل التَّنقل، وغيرها من المشاريع الاقتصادية والبنى التحتية.
12 سنةً علَّمْتَ فيها الشعبَ السنغالي أنَّ فرنساَ ليستْ حليفاً ضروريا، وأنَّ اللغة المحلية لها أهميةٌ، وأنَّ الدينَ لها مكانةٌ، وأنَّ التعبير عن الرأيِ حقٌ للجميع، وأنَّ العلمَ هو نبراس كل تطورٍ فعلي، وأنَّ العمل هو السبيل الوحيد لبناء الدول.
ستبقَى مآثركَ مكتوبة على التاريخ السياسي السنغالي، وحسناتكَ المثلَى نبراساً لكلّ من يحلُم إلى بناء دولةٍ ذات سيادة سياسية واقتصادية وثقافية…
مزيداً من العُمر والصحَّة على عامك الـ100، يا أبا الديموقراطية السنغالية .




