Articles

مديونية السنغال: قراءة من منظور الاقتصاد الإسلامي

بقلم الدكتور محمدالأمين غي

يبدو نظامنا الاقتصادي الحديث سجينًا بشكل لا مفر منه لدورات دائمة من الديون من أجل تحقيق “انفراجات” مؤقتة وهشة. بالنسبة للسنغال، فإن التاريخ الحديث مليء بهذه الاضطرابات، على غرار مبادرتي : تخفيف عبء الديون عن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (PPTE) و مبادرة متعددة الأطراف لتخفيف عبء الديون (IADM) في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واللتين كانتا، مع ذلك، تبعثان على الأمل في بداية جديدة. ومع ذلك، فإن الواقع بشأن وجهة هذه الديون يطرح تساؤلات عريضة: فإذا كان الاقتراض مبررًا رسميًا بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الإفصاحات المتتالية تترك شكوكًا مستمرة حول استخدامها لأغراض سياسية أو شخصية.
لقد أدت الأزمة المالية الحالية، المعروفة على نطاق واسع باسم “الديون الخفية” والتي اندلعت عام 2024، إلى خفض التصنيف الائتماني السيادي للسنغال، وتلتها شهور طويلة من المفاوضات الشاقة مع صندوق النقد الدولي. وبالتالي، فإن الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه مؤخرًا لبرنامج تمويلي بقيمة 2.2 مليار دولار قوبل بطبيعة الحال بترحيب من الحكومة باعتباره طوق نجاة؛ إذ يَعِدُ بتصفية جزء من الديون المستحقة للشركات (خاصة المخصصات المالية لتسوية متأخرات القطاع الخاص) وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي (مضاعفة الجهود المبذولة لصالح المنح العائلية).ومع ذلك، بالنسبة للمراقبين المطلعين، فإن هذا الارتياح الفوري يكاد لا يخفي مفارقة الحلول التقليدية؛ فالتقشف المالي واللجوء إلى قروض جديدة محملة بالفوائد يؤديان إلى تفاقم هشاشة الأوضاع المعيشية للسكان بشكل هيكلي، ويشكلان خطرًا حقيقيًا على السيادة الوطنية، مما يسوق البلاد نحو برامج تعديل هيكلي مؤلمة.
ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فإن هذا الارتياح ليس سوى وهم؛ فطالما بقينا محبوسين في حلقة الربا المفرغة، فلن يلوح في الأفق أي ازدهار حقيقي مستدام، حيث يصف القرآن الكريم هذه الممارسة صراحة بأنها ظلم كبير. وفي بلد يضم رموزًا مرجعية وتاريخية مثل الشيخ أحمدو بمبا، والشيخ إبراهيم نياس، والحاج مالك سي، أو الحاج أحمد ديم، فإن الدعوة المستمرة للاسترشاد بإرث السلف الصالح لا يمكن أن تقتصر على الروحانية التعبدية والشعائرية فحسب.
إن رفض تجزئة الإيمان والفصل بينه وبين واقع الحياة يقتضي الاعتراف بأن تشريع الله يجب أن يحتل مكانة مركزية في توجيه وإدارة السياسات العامة.

إن البديل الذي يطرحه الاقتصاد الإسلامي لا يمثل ( يوتوبيا Utopie ) ، بل هو براغماتية اقتصادية تقوم على العدالة والمنطق السليم. وهو يرتكز على ثلاثية فاضلة مستلهمة من تعاليم القرآن الكريم وسنة نبي الإسلام محمد، صلى الله عليه وسلم. علاوة على ذلك، فإن الإطار التنظيمي الكفيل بتطبيقه قائم بالفعل ويشهد تحديثات مستمرة. وبناءً على ذلك، لا ينبغي للدولة أن تعيش إلا مما تنتجه وتديره بحزم، محاكاةً للنموذج المالي الأصيل القائم على انعدام الديون الهيكلية الربوية، وربط كل تمويل بمبدأ تقاسم المخاطر. ولعكس المسار الخانق للأزمة الحالية في السنغال، يفرض تنفيذ إصلاحات ملموسة نفسه على مستويات مختلفة:
فعلى صعيد الحكام: لا بد من جعل الشفافية والقدوة المالية عقيدة راسخة؛ إذ إن اكتشاف التزامات مالية (خصوم) غير مقيدة في الحسابات العامة يتطلب إرساء آليات تدقيق مستقلة ودائمة.
ويجب أن ترتبط الحوكمة العامة مجدداً بالشرط المطلق لـلأمانة”، بحيث يكون كل قرش يُقترض أو يُنفق تلبيةً لحاجة حقيقية ومحددة بدقة، وضمن مسار تتبع علني وصارم. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إملاء أي سياسة تقشف عادلة على المواطنين ما دامت مظاهر البذخ الرسمي والنفقات السياسية المفرطة مستمرة.
وفيما يخص التمويل: يتعين أن يستهدف الاقتصاد الحقيقي. وبدلاً من الارتهان الدائم للسندات الأوروبية (اليوروبوند) التقليدية أو القروض المثقلة بالفوائد التي تفاقم خدمة الدين، يجب على السنغال تفعيل أدوات المرونة الاقتصادية الكلية المتوافقة مع الإسلام، مثل الصكوك السيادية التي تسمح بحشد الرساميل عبر ربطها مباشرة بأصول ملموسة أو بمشاريع بنية تحتية ذات أثر تنموي قوي. وهكذا، وخلافاً للاقتراض الكلاسيكي الذي يلزم الدولة بدفع فوائد ثابتة مهما كانت الظروف، فإن الصكوك تربط عائد الدائن بالأداء الاقتصادي الفعلي للمشروع الممول؛ وهذا هو جوهر تقاسم المخاطر: حيث يربح المستثمر والدولة معاً أو يجتازان الأزمات معاً.

على الصعيد الاجتماعي والتضامني، من الأهمية بمكان التخلص من التبعية الخارجية من أجل “العمل الاجتماعي”. ففي مواجهة غلاء المعيشة الذي يخنق الأسر الهشة، سرعان ما تجد سياسات المساعدة الميزانياتية الممولة بالديون حدودها. لذلك، بات من الضروري تعجيل سياسة مأسسة وهيكلة الزكاة والأوقاف. وقد أثبتت بعض الدول أن الإدارة الحكومية للزكاة والأوقاف، أو عبر وكالات متخصصة وشفافة، تتيح تمويل قطاعات بأكملها في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الغذائية الطارئة، مما يشكل درعاً اجتماعياً داخلياً حقيقياً يحمي الفئات الأكثر ضعفاً دون تعميق العجز العام.وفي المحصلة، لا يمكن التوصل إلى حل مستدام لهذه الأزمة دون العودة الحازمة إلى أسس الاقتصاد الإسلامي، الذي لا يمثل مجرد بديل تقني، بل يجعل من العدالة والشفافية وتحريم الربا ركائز مطلقة لسيادة الأمم، ليدير بذلك ظهره للحلقات المفرغة للديون التقليدية الخانقة والمقيدة. ويتطلب هذا التحول مسؤولية مشتركة وتقارباً عاجلاً بين جميع الفاعلين في المجتمع. إذ يجب على الحكام والنخب الإدارية إحياء الالتزام المقدس بالأمانة والانضباط الميزانياتي، في حين يقع على عاتق القيادات الدينية والباحثين في هذا المجال حمل لواء هذه الصحوة الأخلاقية وابتكار أدوات الهندسة المالية المناسبة، على غرار الصكوك السيادية. فمن خلال إعادة القيم الأخلاقية ومقاصد الشريعة إلى قلب المجتمع، سيتمكن السنغال من التحرر المستدام من فخ الديون وضمان ازدهار شامل للأجيال القادمة. وعبر العودة إلى هذه القيم التأسيسية وبناء سيادة اقتصادية راسخة في الاقتصاد الحقيقي، سيمنح السنغال نفسه الوسائل الكفيلة بتقديم مستقبل مزدهر لشبابه وللأجيال القادمة، بعيداً عن منطق التبعية المالية.
نسأل الله أن يهدي قادتنا إلى الفضيلة واستشعار المسؤولية.
عاش السنغال عزيزاً ومزدهراً لصالح شعبه.

باحث، وخبير اقتصادي اجتماعي، ومخطط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى