
ليبيا على مفترق الطرق: اغتيالات غامضة وتوازنات هشّة
عمر علي نيانغ
تمرّ ليبيا بمرحلة حرجة ومعقّدة، تتسم باستمرار الانقسام السياسي، وتعثر المسارات الوطنية، وضعف قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات ضمن منطق الدولة والقانون. وفي هذا السياق، برزت إلى الواجهة أنباء متداولة أكّدت مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وهو ما شكّل صدمة في المشهدين السياسي والاجتماعي، نظرًا لما تمثّله هذه الشخصية من رمزية تاريخية وسياسية في ليبيا منذ ما بعد عام 2011.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع مصرع رئيس أركان الجيش الليبي، الفريق محمد الحداد، قبل أسابيع، إثر سقوط الطائرة التي كان يستقلها رفقة وفد رسمي خلال رحلة بين أنقرة وطرابلس الغرب، في ظروف وُصفت بالغموض الشديد، وسط غياب رواية رسمية مكتملة وشفافة توضّح ملابسات الحادث. وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي كان يُنسب إلى الراحل في دعم وحدة المؤسسة العسكرية والدعوة إلى توحيد الصف الوطني.
ومن منظور تحليلي محايد، يمكن ربط هذه التطورات بطبيعة البيئة السياسية والأمنية الهشّة في ليبيا، حيث تتداخل الصراعات الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ويغدو أي حدث أمني أو سياسي مفصلي قادرًا على إعادة رسم خريطة التوازنات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال محوري: من المستفيد من هذه الاغتيالات أو الحوادث الغامضة؟
داخليًا، هل تخدم هذه الأحداث أطرافًا تسعى إلى إضعاف الرموز القادرة على جمع الليبيين حول مشروع وطني جامع؟
وخارجيًا، هل تصبّ هذه التطورات في مصلحة قوى إقليمية أو دولية تسعى إلى التأثير في مسار القرار الليبي بما يخدم حساباتها الاستراتيجية؟
على الصعيد الداخلي، يعكس هذا المشهد حالة عميقة من عدم اليقين السياسي، في ظل تعدد مراكز النفوذ، وغياب مرجعية وطنية جامعة، واستمرار هشاشة الثقة بين الفاعلين السياسيين والعسكريين. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الشخصيات ذات الرمزية السياسية أو العسكرية إلى عناصر حساسة في معادلة التوازن الوطني، سواء من خلال حضورها في المشهد أو عبر غيابها المفاجئ.
أما على المستوى السياسي والإعلامي، فإن تداول أحداث كبرى ذات طابع صادم غالبًا ما يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات النقاش العام، وتحويل الاهتمام بعيدًا عن الملفات البنيوية الأساسية، مثل المسار الانتخابي، والأوضاع الاقتصادية، وبناء الشرعية، نحو التركيز على التطورات الأمنية وتداعياتها الآنية.
وفي البعد الإقليمي والدولي، تظل ليبيا ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، بحكم موقعها الاستراتيجي، وثرواتها الطبيعية، وارتباطها بقضايا الطاقة والأمن والهجرة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تطور داخلي كبير يثير تساؤلات مشروعة حول الجهات أو الأطراف التي قد تحقق مكاسب من استمرار حالة الفوضى، دون أن يعني ذلك بالضرورة الجزم بوجود تدخل مباشر أو مؤكد في كل حدث.
ويبقى السؤال المطروح في مثل هذه اللحظات الحساسة: إلى أي مدى تصبّ هذه الاغتيالات أو الحوادث الغامضة في مصلحة الأطراف الداخلية والخارجية؟
والإجابة، وفق مقاربة موضوعية، لا تكمن في الاتهام أو الاستنتاج المتسرّع، بل في الإقرار بأن استمرار الغموض، وضعف الشفافية، وتأخر الحلول السياسية، عوامل تُغذّي الشكوك، وتُضعف الثقة العامة، وتفتح المجال أمام قراءات متعددة للأحداث.
في المحصلة، سواء تعلق الأمر بمقتل شخصيات سياسية بارزة أو بحوادث غامضة تطال قيادات عسكرية رفيعة، فإن التحدي الأكبر أمام ليبيا يظلّ في إنهاء حالة الانقسام والغياب المؤسسي، وترسيخ منطق الدولة والمؤسسات، وضمان إدارة الخلافات الوطنية عبر الحوار والمسارات السياسية السلمية، لا عبر الاغتيالات، أو الغموض، أو منطق القوة



