Articles

إثيوبيا وإريتريا… السلام خير، والحوار هو الطريق

د.عمر علي عيسى نيانغ

في لحظة دقيقة تشهد فيها إفريقيا والعالم تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، تقف إثيوبيا وإريتريا أمام مسؤولية تاريخية تتطلب من قيادتي البلدين أعلى درجات الحكمة وضبط النفس وبعد النظر. فمهما بلغت الخلافات السياسية من حدة، فإنها لا يمكن أن تكون أقوى من إرادة الشعوب في العيش بأمن واستقرار وكرامة. والحرب، مهما كانت أسبابها أو مبرراتها، لا تترك في نهاية المطاف سوى الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يفتح السلام آفاقاً واسعة للتنمية والاستثمار والتعاون وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

إلى إثيوبيا وإريتريا، وإلى قيادتي البلدين وشعبيهما الشقيقين: السلام خير.

لقد عانى الشعبان طويلاً من آثار الصراع، ودفعا ثمناً باهظاً من الأرواح والموارد والفرص التي كان يمكن أن تُسخّر لبناء الإنسان وتعزيز الاقتصاد وتحقيق التنمية. ومن هنا، فإن العودة إلى منطق المواجهة لن تكون حلاً لمشكلات الماضي، ولن تقدم مستقبلاً أكثر أمناً أو ازدهاراً لشعبي البلدين.

والسؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس: من سينتصر في أي مواجهة؟ بل ماذا سيخسر الجميع إذا اندلعت الحرب؟ وكم من الأرواح ستُفقد؟ وكم من فرص التنمية والاستثمار ستضيع؟ وكم من السنوات ستحتاجها المنطقة للتعافي من آثار صراع جديد؟

إن التاريخ الإفريقي يعلّمنا أن الحروب والنزاعات لا تصنع مستقبلاً مستداماً، وأن الانقسامات تستنزف الموارد وتؤخر التنمية وتضعف قدرة الدول على الاستفادة من إمكاناتها الحقيقية. ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن تكون المصالح المشتركة أقوى من الخلافات، وأن يكون الحوار أقوى من التهديد، وأن تكون الدبلوماسية أقوى من السلاح.

تمتلك إثيوبيا وإريتريا مقومات كبيرة تؤهلهما لبناء نموذج مختلف في القرن الإفريقي. فالموقع الاستراتيجي، والموارد، والطاقات البشرية، والإمكانات الاقتصادية، والروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين، كلها عناصر يمكن تحويلها من مصادر للتوتر إلى ركائز للتعاون والشراكة والتنمية.

كما أن منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا تحتاج إلى مزيد من التوتر، بل إلى رؤية جديدة تجعل من موقعها الاستراتيجي جسراً للتجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي والتواصل بين إفريقيا والعالم. وإن استقرار هذه المنطقة لن يعود بالنفع على إثيوبيا وإريتريا وحدهما، بل يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية وأمنية وتنموية للقارة الإفريقية بأكملها.

إلى رئيس الوزراء أبي أحمد والرئيس إسياس أفورقي، إن المسؤولية الملقاة على عاتقكما اليوم تتجاوز الحسابات السياسية الآنية، لأنها ترتبط بمستقبل شعبين وباستقرار منطقة بأكملها. وقد يأتي يوم تسأل فيه الأجيال القادمة: عندما كانت أمامكم فرصة للحوار، ماذا اخترتم؟

لقد آن الأوان لفتح قنوات التواصل، وتفعيل الدبلوماسية، والبحث عن نقاط الالتقاء، ومعالجة الخلافات بالحوار والتفاهم والآليات السياسية السلمية. اجلسا إلى طاولة الحوار قبل أن تجلسا إلى طاولة الحرب.

ليس من الضعف أن تختار الدول الحوار، وليس من التراجع أن تمنح الدبلوماسية فرصة جديدة، بل إن منع الحرب عندما تكون الظروف قابلة للتصعيد هو من أصعب القرارات وأكثرها شجاعة ومسؤولية. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما أيضاً بقدرتها على منعها، وبناء السلام، وحماية شعوبها، وتحويل الأزمات إلى فرص للتعاون.

وإلى الشعبين الإثيوبي والإريتري، لا تسمحوا للخلافات السياسية بأن تتحول إلى عداوة بين الشعوب، فالشعوب تجمعها روابط أعمق من الخلافات السياسية، وهي التي تتحمل في النهاية التكلفة الإنسانية والاقتصادية لأي صراع. نريد أن نرى أبناء إثيوبيا وإريتريا يتنافسون في التنمية لا في التسلح، وفي الاستثمار لا في الصراع، وفي بناء المستقبل لا في إعادة إنتاج الماضي.

نريد أن نرى حدوداً تفتح أبواب التجارة، وموانئ تخدم التنمية، وشراكات اقتصادية تخلق فرص العمل، ومشاريع مشتركة تعود بالنفع على الشعبين، لأن مستقبل القرن الإفريقي ينبغي أن يُبنى على التعاون والتكامل، لا على الخوف والمواجهة.

وإلى إفريقيا كلها، علينا أن نطرح على أنفسنا أسئلة صعبة ولكن ضرورية: كم من فرص التنمية ضاعت بسبب الحروب؟ وكم من الموارد أُنفقت على الصراع بدلاً من التعليم والصحة والبنية التحتية؟ وكم من جيل اضطر إلى دفع ثمن نزاعات لم يكن طرفاً في صنعها؟

لقد آن الأوان لكي تتعلم إفريقيا من تاريخها، وأن تجعل السلام والاستقرار والتكامل الاقتصادي في مقدمة أولوياتها. فالقارة اليوم بحاجة إلى الطرق والجسور والمصانع والمستشفيات والمدارس والاستثمارات وفرص العمل أكثر من حاجتها إلى ساحات جديدة للصراع. وهي بحاجة إلى بناء اقتصاد قوي، وربط أسواقها، وتمكين شبابها، وتعزيز التجارة والاستثمار، وتحويل مواردها وموقعها الاستراتيجي إلى قوة تنموية حقيقية.

السلام ليس استسلاماً، والحوار ليس ضعفاً، والتفاهم ليس هزيمة، بل إن السلام هو انتصار الشعوب على منطق الحرب، وانتصار المستقبل على الماضي، وانتصار التنمية على الدمار.

إن إثيوبيا وإريتريا لا تحتاجان إلى حرب جديدة تثقل كاهل شعبيهما، بل تحتاجان إلى شجاعة سياسية تفتح صفحة جديدة، وإرادة حقيقية تجعل الحوار خياراً دائماً، والتعاون هدفاً استراتيجياً، والسلام أساساً للمستقبل.

فالحرب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي بسهولة، وقد تترك جراحاً تمتد آثارها لعقود، أما السلام فقد يبدأ بخطوة واحدة، لكنه قادر على أن يفتح الطريق أمام أجيال كاملة نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

إثيوبيا وإريتريا، اجلسا إلى طاولة الحوار قبل أن تجلسا إلى طاولة الحرب. فالمستقبل لا ينتظر من يربح الحرب، بل ينتظر من يمتلك شجاعة صناعة السلام.

السلام خير، والحوار هو الطريق، والتعاون هو القوة، ومستقبل إفريقيا يستحق أن نختار له السلام.
«السلام ليس كل شيء، لكن كل شيء لا يساوي شيئاً من دون السلام.»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى